وليد الغمرى يكتب.. دولة فى أزمة خيانة

وليد الغمرى

08:35 م

الأربعاء 28/ديسمبر/2016

 

لا تحدثنى عن هؤلاء الذين يموتون طوعًا فى مراكب الهجرة.. ولا تحدثنى لماذا استباحت أنياب الأسماك أجسادهم وهم يهربون من الوطن.. فلو وجدوا أرضًا تطعمهم من جوع وتأمنهم من خوف.. ما أقبلوا على الموت بكل هذا الجبروت.

لو كان فى مصر خلال الـ60 سنة الماضية.. رجال لم يفرطوا فيما أتاهم الله وشعب مصر من أمانة.. لما انتهى الحال بنا إلى وطن تنهشه أظافر الذئاب.. ويموت أهله جوعًا فى الطرقات.. فجميعنا فى ضمير هذا الوطن مدانون بشكل ما أمام ضمائرنا.. وأمام كل أمانة حملناها تعلقت بخلق الله من شعب مصر.. ولا أستثنى فى هذه "الخيانة" أحدًا..

فبداية ممن خانوا باسم السلطة.. ومرورا بمن خانوا باسم التربح.. وانتهاءً بمن خانوا باسم الرب.. جميعنا مدانون فى حق مصر.. جميعنا لم نعط هذه الأرض حقها.. ولم نثمن قدر الإله فيها.. فحق علينا جميعًا أن نكتوى بظلم الحاكم والرعية.. وكنا بحق فراعنة النزعة والهوية.. وبات من الحتمى أن نتطهر الآن من كل جرم خالف أمانة الوطن.. الذى استخلفنا الله فيه.. لا لشىء غير أن هذه السفينة باتت مهددة فى محيطات "الخيانة الكبرى".

وقبل أن تتهمنى بالفلسفة الفارغة وتسطيح المسؤوليات وجعلها على المشاع.. فدعنى أخوض معكم بقلب دامع باكى على حال أمة بكاملها.. فى مفردات فعل "الخيانة" الذى تمت استباحته بكل شكل ولون فى حوارى وشوارع الأرض المحروسة.. ولولا أنها محروسة من السماء.. لحق علينا جميعًا من الله سوط عذاب..

ففى حوار شخصى دار بينى وبين أحد أساتذة المهنة.. حول مانشيت صحفى نشر الأسبوع الفائت، كان يحمل بشكل صريح تخوين للملك سالمان ملك المملكة العربية السعودية.. كان رأى صديقى الصحفى الكبير أنه يعترض على أى لفظ به تخوين لأى شخص.. ودار بيننا سجال طويل حول فكرة "الخيانة".. انتهى إلى أن صديقى يرى أن عدم تخوين الآخرين مبدأ لا يجوز الاقتراب منه.. ورأيت أن الخيانة فى بعض الأحيان لا تخضع للفلسفات الأخلاقية بقدر ما تخضع لحجم الجرم الناتج عنها..

وهنا يأتى السؤال.. لو لم يخن الإخوان المصريين ما جلس السيسى على عرش مصر.. وما زج بهم فى السجون.. والخيانة معنى قمىء يمكن أن يدخل فى كل مفردات الحياة.. فالتاجر الذى يخفى "السكر" ليبيعه للناس بأسعار باهظة هو خائن للأمانة.. والطبيب الذى يسرق "كلية" مواطن ليبيعها فى سوق الأعضاء هو خائن.. والقاضى الذى يقبل أن يغير حكمه من أجل المال هو "خائن" والضابط الذى يحابى أو يفرط فى مهام مسؤولياته هو "خائن" للأمانة.. وكلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته والتفريط فى المسؤولية خيانة لها.. حتى الرئيس الذى يمنح لنفسه فعلا غير أفعال السيادة الممنوحه له من الشعب ليفرط فى أرض أو مقدرات أمة فهو رئيس "خائن".

الخيانة هى مضاد لفظى وفكرى للأمانة.. وفى قضية تيران وصنافير التى سيصدر فيها حكم نهائى يوم 16 المقبل وأيا كان الحكم.. سواء بسعودية الجزيرتين أو بمصريتهما.. فسوف يكون هناك متهم حتمى بالخيانة.. فلو صدر الحكم بمصريتهما فكل هيئة الدفاع وكل من حاولوا تسويق سعوديتهما سوف يصبح فى ضمائر الناس متهمًا بالتفريط والخيانة.. وإذا صدر الحكم بأحقيتهما للمملكة.. وأن مصر كانت تديرهما على سبيل الأمانة.. فكل من نادى بمصريتهما متهم بخيانة الأمانة مع دولة شقيقة.. وربما كانت الدولة فى محاولاتها لترك القضية برمتها فى ذمة القضاء.. تلقى عن كاهلها وزر الاتهام بالخيانة!

وفى مصر رئيس جمهورية أسبق اسمه محمد مرسى متهم فى قضية خيانة وهى قضية التخابر مع قطر.. وأيا كان حكم القاضى فى تلك القضية التى شغلت الرأى العام.. فسيظل محمد مرسى فى نظر من ناصروه زعيمًا أطاح به وبشرعيته الجيش.. ولن يروه خائنًا ولو اعترف هو بنفسه بالإدانة.. وعلى الجانب الآخر سيظل محمد مرسى فى ضمائر السواد الأعظم من الشعب المصرى الرئيس الذى حنث باليمين الدستورى وخان بلاده حتى ولو تم تبرئته من أعلى هيئات العالم القضائية!

حالة الاستقطاب التى تعيشها مصر.. وحرب المعادلات الصفرية التى لا تقبل التفاوض ولا الحلول الوسط.. تقضى بأن تكون ممارسة فعل "التخوين" مطلقة كمرض على المشاع.. طالما ما زالت رحى كل المعارك السياسية دائرة ومفتوحة لكل الاحتمالات.. وككل المعارك فى تاريخ البشر.. هناك دومًا خونة ومأجورين ومرتزقة وحتى تجار دم وأعراض و"مقاولى هدد".. هؤلاء الذين تتراكم ثرواتهم من جوع الناس ودمائهم وحتى أعراضهم..

 كم قضايا وأوراق نهب الأراضى وفساد الذمم والضمائر التى تأتى إلينا كل يوم.. تؤكد أن فى مصر مئات الملياردرات هم لصوص بدرجة "خونة" فمن نهب قوت الناس واستباح أرضهم وأجسادهم لكى يتربح بالمال الحرام.. هو بلا شك "خائن".

والحقيقة أن وسط كل هذا الفقر الذى يعصر أمعاء المصريين.. ويتمدد فى شوارعهم.. لم يكن ليكون لو أن هناك من خانهم واستباحهم.. فهذه البلد أعطاها الله كل فرص الحياة والنهوض بل والرفاهية.. ومع ذلك فجملة "الخونة" فى السياسة والاقتصاد وحتى فى التعليم والصحة والوظائف الحكومية.. جعلوا منها بلدًا مريضًا لا سبيل لشفائه إلا باستئصال هذا السرطان الذى ينهش كل مؤسساتنا.. حتى ولو اختلفنا على تسميته.. سواء كان فسادًا ماليًا أو إداريًا.. أو حتى سرقة ولصوصية يمارسها البعض.. فجميعها فى حق الوطن لا يمكن أن توصف فى نظرى غير بـ"الخيانة".

لينتهى بنا الحال جميعا وأنا أرى فيه أمتى وأهلى ووطنى.. بحق.. يعيش أزمة خيانة.. بداية من الظام السياسى الذى لم تتضح له أى معالم من مفردات النظم السياسية.. وانتهاء ببائع السكر ومدرس الدروس الخصوصية.. وفتحت أبواب خيانة الأمانة على مصراعيها فى كل حدب وصوب.. وتم "تشييك" المصطلحات تحت دعاوى أن للوطن أزمات.. والحقيقى أن الأزمة الكبرى هى "أزمة خيانة".

ads
ads

هل تتوقع انخفاض الأسعار مع بداية عام 2017؟

ads
<