«مجمع الأديان» بالفسطاط يحلم بالعودة للزمن الجميل

دعاء جمال ومنار مصطفى تصوير: عبد الرحمن مجدى

10:51 م

السبت 25/فبراير/2017

بلدنا اليوم
 

ظاهرة فريدة فى منطقة الفسطاط بحى مصر القديمة، تتمثل فى أنها تجمع بين الديانات الثلاث "الإسلامية والمسيحية واليهودية" فى مكان واحد، حيث مسجد عمرو بن العاص والكنيسة المعلقة ومعبد إبراهام بن عزرا، وبرغم أنها منطقة فريدة فإن الدولة أهملتها، ويحلم أهل المنطقة بل وتحلم هى نفسها بأن تهتم الدولة بها لأهميتها التاريخية والدينية، ولكنه حلم بات من الأحلام الممنوعة فى الفترة الأخيرة. 

«عمرو بن العاص» أول المساجد بمصر:
على الرغم من تاريخى العريق الذى يمتد منذ عام 641 هجريا، فإنه تم تشويهى من قبل مروجى المخدرات وتحويل ساحتى للبائعة الجائلين، وأنا أحلم بأن الدولة المصرية تهتم بى من جديد لكى أعود إلى سابق عهدى، فأنا أول مسجد تم بناؤه فى مصر بمدينة الفسطاط التى أسسها المسلمون فى مصر بعد فتحها.
ومنذ تشييدى على يد قائد جيوش المسلمين عمرو بن العاص فى عهد الخليفة الثانى عمر بن الخطاب أثناء فتحه لمصر وتخليصها من العدوان الرومانى لانتهاكاتهم ضد الأقباط، حملت عدة ألقاب من بينها "مسجد الفتح، والمسجد العتيق، وتاج الجوامع"، وأخيرًا استقرت تسميتى على «جامع عمرو بن العاص»، وهذا ما يجعل حلمى مشروعا ومفيدا فأنا تاريخ عريض.
فشهرتى كأقدم مساجد الشمال الإفريقى عامة والمصرية خاصة، جعلت لى قدسية لدى العالم الإسلامى لما أحمله من تاريخ أعرق الحضارات العقائدية وهى الحضارة الإسلامية، فكينونتى كمسجد تقام به الصلوات الخمس وتشيع من أمام أبوابه الجنازات.
وتدريجيًا بدأت ملامحى الخارجية فى التشوه، والتى أحلم بتصحيحها، حيث شرع الباعة الجائلون فى الانتشار حول ساحتى بشكل غير طبيعى، ومع مرور الزمن والعصور بدأ الإهمال ينتشر حولى بطريقة لم تتصورها مخيلتى أن تحدث يومًا من الأيام، بأن تحول ساحتى الكبيرة للباعة الجائلين والمتسولين وقاطعى الطرق ليلًا، وأن يسكن جنباتى الخارجية مروجو المواد المخدرة، الأمر الذى أرهب بعض ضيوفى المعتادين على زيارتى من كل أنحاء العالم الإسلامى.
فكل ما تعرضت له فى هذه الحفنة من الزمان، يجعلنى أتذكر ما حدث معى أيام الخليفة معاوية بن أبى سفيان، حينما أصدر أمرًا عام 673 هجريًا بإعادة بنائى مرة أخرى وإلحاق أربع مآذن فى أركان الجامع الأربعة، بالإضافة إلى اتساع مساحتى الكلية للضعف، ولم تكن تلك المرة الأولى، بل فى عهد الخليفة عبد العزيز بن مروان قام بهدمى ومن ثم إعادة بنايتى مرة ثانية عام 698 هجريًا، وفى عام 837 هجريًا قام العباسيون بمضاعفة مساحتى.
وفى عهد صلاح الدين الأيوبى احترقت مدينة الفسطاط على يد الصليبيين، مما جعله يأمر بترميم شامل لى عام 568 هجريا، وبعدها مررت بعدة دورات هدم وإعادة بناء، حتى استقرت هيئتى على الوضع الحالى، محتفظًا ببعض التصاميم والزخارف القديمة التى أضيفت لى على مر التاريخ، ومما أضاف لى شرفًا هو قيام أشهر أئمة العالم الإسلامى بالخطابة على منبرى وإلقاء الدروس والمواعظ ومنهم «الإمام الشافعى، والليث بن سعد، وأبو طاهر السلفى، والعز بن عبد السلام، وابن هشام صاحب كتاب سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، والشيخ محمد الغزالى».

الكنيسة المعلقة ملجأ العائلة المقدسة:
سميت بالكنيسة المعلقة لأننى بنيت على برجين من الأبراج القديمة للحصن الرومانى "حصن بابليون"، الذى بناه الإمبراطور "تراجان" فى القرن الثانى الميلادى، إننى من أقدم الكنائس التى لا تزال باقية فى مصر.
حيث أنشئت على أنقاض المكان الذى احتمت العائلة المقدسة "السيدة مريم العذراء، والمسيح الطفل، والقديس يوسف النجار" فيه أثناء السنوات الثلاث التى قضوها فى مصر هروبا من هيرودس حاكم فلسطين، الذى كان قد أمر بقتل الأطفال تخوفا من نبوءة ضياع ملكه على يديه.
ويقول البعض إن مكانى هو عبارة عن مكان للخلوة، وكان يعيش فيه أحد الرهبان النساء، فى واحد من السراديب الصخرية المحفورة فى المكان.
وتم تجديدى عدة مرات خلال العصر الإسلامى، فمرة فى خلافة "هارون الرشيد"، حينما طلب البطريرك الأنبا مرقس من الوالى الإذن بتجديد الكنيسة، ومرة أخرى فى عهد العزيز بالله الفاطمى الذى سمح للبطريرك أفرام السريانى بتجديد كل كنائس مصر، وإصلاح ما تهدم، ومرة ثالثة فى عهد الظاهر لإعزاز دين الله.
كنت مقرا للعديد من البطاركة منذ القرن الحادى عشر، وكان البطريرك "خريستودولوس" هو أول من اتخذ الكنيسة المعلقة مقرا لبابا الإسكندرية، وقد دفن بها عدد من البطاركة فى القرنين الحادى عشر والثانى عشر، ولا تزال توجد لهم صور وأيقونات بالكنيسة تضاء لها الشموع، وكانت تقام بها محاكمات الكهنة، والأساقفة، ومحاكمات المهرطقين فيها أيضا.
واعتبرت مزارا هاما للأقباط نظرا لقدمى التاريخى وارتباط المكان بالعائلة المقدسة، ووجودها بين كنائس وأديرة لقديسين أجلاء، فتسهل زيارتهم.
أتكون من طابقين وتوجد أمامى نافورة، وقد بنيت بالطابع البازيليكى الشهير المكون من 3 أجنحة وردهة أمامية وهيكل يتوزع على 3 أجزاء، وهى مستطيلة الشكل، وصغيرة نسبيا فأبعادها نحو 23.5 متر طولا و18.5 متر عرضا و9.5 متر ارتفاعا.
وأتكون من صحن رئيسى وجناحين صغيرين، وبينهما ثمانية أعمدة على كل جانب، وما بين الصحن والجناح الشمالى صف من ثلاثة أعمدة عليها عقود كبيرة ذات شكل مدبب، والأعمدة التى تفصل بين الأجنحة هى من الرخام فيما عدا واحدا من البازلت الأسود، والملاحظ أن بها عددا من تيجان الأعمدة "كورنثية" الطراز.
وفى الجهة الشرقية توجد ثلاثة هياكل هى: الأوسط يحمل اسم القديسة العذراء مريم، والأيمن باسم القديس يوحنا المعمدان، والأيسر باسم القديس مارى جرجس.
وأمام هذه الهياكل، توجد الأحجبة الخشبية، وأهمها الحجاب الأوسط المصنوع من الأبنوس المطعم بالعاج الشفاف، ويرجع إلى القرن الثانى عشر أو الثالث عشر، ونقش عليه بأشكال هندسية وصلبان جميلة، وتعلوه أيقونات تصور السيد المسيح على العرش، وعن يمينه مريم العذراء والملاك جبرائيل والقديس بطرس، وعلى يساره يوحنا المعمدان والملاك ميخائيل والقديس بولس، وبأعلى المذبح بداخل هذا الهيكل توجد مظلة خشبية مرتكزة على أربعة أعمدة، ومن خلفه منصة جلوس رجال الكهنوت.
وفى الجناح الأيمن من الكنيسة، تم تعليق أجزاء من صحف قومية مصرية، على إحدى الحوائط راصدة أحداث ومشاهد من التاريخ الحديث للكنيسة، المتعلقة بالأقباط فى مصر، وربما أهمها ظهور السيدة مريم العذراء فى كنيستها بحى الزيتون فى أعقاب هزيمة حرب 1967.

إبرهام بن عزرا.. شاهد على الطائفة اليهودية:
أنا المعبد اليهودى الأهم فى تاريخ الطائفة اليهودية فى مصر.. أنا من كنت عبارة عن كنيسة ومن ثم تحولت إلى معبد لأشهد على ما حدث وكيف كان التعامل مع اليهود فى مصر، أحتوى على وثائق هامة للغاية ومكتبة نفيسة تضم نفائس الكتب والدوريات اليهودية.
أقع فى منطقة الفسطاط بحى مصر القديمة، واختلفت الروايات عن نشأتى فهناك من يقول إن المعبد فى الأساس كان كنيسة تسمى "كنيسة الشماعين" وقد باعتها الكنيسة الأرثوذكسية للطائفة اليهودية، عندما مرت بضائقة مالية نتيجة لزيادة الضرائب التى فرضت عليها وقتها، وسمى المعبد بهذا الاسم نسبة إلى "عزرا الكاتب" أحد أجلاء أحبار اليهود، ويسمى أحيانا بمعبد الفلسطينيين، أو معبد الشوام.
كما يعرفه الباحثون واليهود المحدثون "بمعبد الجنيزا" نسبة إلى مجموعة وثائق الجنيزا الشهيرة، التى تحتوى على وثائق ومعلومات قيمة، والتى وجدت به عام 1890.
أما الرواية الأخرى التى تنبع من القصص اليهودية أن موسى كان قد اختار موضعا للصلاة بجوار النيل فيما عرف بعد ذلك بالفسطاط.
والرواية الثالثة فكانت وفقًا لـ"تقى الدين المقريزى" وهو مؤرخ مسلم وشيخ المؤرخين المصريين، الذى قال: إن المعبد كان فى الأصل كنيسة مسيحية، وبيعت فى وقت ما لليهود، والاستناد لذلك يعود إلى أخبار رويت عن كنيسة باسم القديس ميخائيل فى نفس البقعة، ولا أثر لها اليوم، وتشير المصادر إلى أنها بيعت فى عام ٨٨٢ م لليهود فى سبيل جمع مبلغ ما من المال، كان قد فرضه أحمد بن طولون على المسيحيين، وقد دفع فيه "إبراهام بن عزرا" وقتها مبلغ ٢٠٠٠٠ دينار.
وترجع أهميتى الدينية إلى أن مكان إقامتى كان موسى قد استخدمه للصلاة بعد أن أصاب البلاد الطاعون، وفى قصة أخرى كان استخدمه النبى إيليا (إلياهو) للظهور للمصلين هناك أكثر من مرة.
كما أننى أحوى رفات النبى إرميا، فضلا عن قصة مخطوطة التناخ القديمة المعروفة الآن بمجلد حلب التى كتبها الماسورتى موشى بن آشير، ابنه أهارون بن آشير من طائفة اليهود القرائين، وقام بتنقيطها لكى تنطق صحيحًا دون تحريف ونقلت بطريقة ما إلى طائفة اليهود بحلب الشام.
وأنا أتكون من طابقين، فالطابق الأول يستخدم للمصلين من الرجال والطابق الثانى لصلاة السيدات، وأحوى صفين من الأعمدة الرخامية ذات التيجان البديعة، وأنقسم إلى ثلاثة أقسام، أكبرها هو الأوسط الذى تعلوه فتحة الإنارة والتهوية وفى وسطه منصة الوعظ وحولها مقاعد المصلين والهيكل فى الجانب الشرقى ويحوى تابوت العهد ولفائف التوراة.
<