وليد الغمرى يكتب.. من حكايات القوانين السرية فى مصر

وليد الغمرى

05:38 م

الأحد 14/مايو/2017

 

تجلت عبقرية الكاتب وحيد حامد فى سيناريو فيلم "طيور الظلام".. حين وقف فتحى نوفل المحامى فى شرفة الفندق الشهير المطل على النيل ليقول على لسان وحيد حامد جملته الشهيرة "البلد دى اللى يشوفها من فوق غير اللى يشوفها من تحت"..

وأنا شخصيًا ولدت لأسرة من هؤلاء الذين يسكنون "تحت" مع ملح الأرض ودفء البسطاء وتجليات الشوارع والحوارى التى تحضن أهلها رغم الزحام.. وسط العشوائيات بكل دفاها وأمراضها.. بينما دفعتنى ظروف العمل الصحفى أن أعيش ثلث حياتى فى النصف الأعلى من الوطن.. مع اللى عايشين "فوق".

 وفى رحلتى اليومية بين "فوق" و"تحت" تعرفت بحكمة التناقض والاختلاف على كل القوانين السرية، التى تحكم مصر.. وإن كان القانون الأهم والأخطر على الإطلاق، والذى تعلمته جيدًا فى كل خطواتى، التى مشيتها فى الطرق الواصلة بين الأسفل والأعلى كان قانون "أنت ابن مين فى مصر؟" عبارة قديمة، وباهتة، وعنصرية، لكنها تعكس واحدًا من أخطر القوانين السرية فى الدولة المصرية.. هو نفس القانون الذى جسده المثل الشعبى "اللى ليه ضهر ما ينضربش على بطنه".. وللأسف بهذا القانون تحكم مصر منذ سنوات بعيدة..

الغريب كان اكتشافى أن مصر "اللى فوق" بها حوارى وعشوائيات قبلية وعائلية وروائح عفنة تفوق روائح العشوائيات ألف مرة.. وكان الأغرب أن لعبة "الهيبة" أو لنقل لعبة "الرونق" الاجتماعى كانت أكثر الألعاب عفنا على سلم عشوائيات ولاد الذوات.. ببساطة لأن قيمة الإنسان فى مصر العليا تحسب بمعايير مختلفة تمامًا عن قيمة الإنسان فى مصر "اللى تحت".

لعبة التنظيمات السرية للعائلات فى مصر.. هو التنظيم السرى الأشرس على طول البلاد وعرضها.. ليس فقط لأن بضع عائلات بعينها باتت تمتلك السلطة والنفوذ والمال وتحتكر كل الوظائف العليا وتحمل شهادات الميلاد والمصاهرة كلمة السر فى توزيع غنيمة الوطن وكأنه "تورتة" يتم تقسيمها يوميًا على موائد لا تشبع ولا تستحى ولا تخشى الله فينا.

ورغم هذا لا يرضينى أنا والكثيرون فى هذا البلد أن ننتمى إليهم.. بل الأكثر من هذا.. فقد منحتنى الأقدار آلاف الفرص وسط ثقوب القوانين السرية أن أحمل هوية جديدة تنتمى لمصر العليا.. إلا أن لحظة دفء وصفاء تتجلى على نفسى وعقلى.. حين يغلبنى النعاس فى أحد المساجد الفقيرة بحينا الفقير تسوى فى قلبى كل رونقكم الزائف وأنسابكم العفنة وحكاياتكم الضالة وحتى نفوذكم الدنس.

أقول هذا ليس على سبيل تعزية النفس التى طالما اشتاقت إلى العيش فى زيف الوطن الأعلى قبل أن تراه.. بينما من سبيل حمد الله على أقداره فى رحلة شخصية.. مكنت نفسى أن تجزع دومًا من ذلك الرونق الزائف.. وإنما دائما ما وجدت ضالتها على مقاهى السيدة نفيسة.. ومع مجاذيب سيدنا الحسين..

والحكاية ببساطة أن هذا الوطن سيظل مملوءًا بروائح طبقية كريهة.. طالما أن قيمة العدل الاجتماعى تدنسها قوانين سرية، منحت بعض المخنثين فكريا وأنصاف البشر قيمة لم تكن من الأساس لهم.. ومنحتهم بريقًا ورونقًا زائفًا.. سحقت تحته ملايين الرقاب لعقول كان يمكنها أن تبنى ألف وطن وليس وطنًا ضائعًا بين الأمم.

بعد هذه الرحلة بين هويتين لم أعد أتفاجأ من طوابير الهجرة التى تقف على أبواب سفارات أوروبا.. بل لم أعد أتعجب من هؤلاء المكسورين الذين دفعهم القهر المجتمعى للانتحار غرقًا فى رحلة البحث عن وطن غير شرعى.

باختصار تقف مصر بكل شعبها أمام خيارين لا ثالث لهما.. إما مزيد من الكفر بالوطن سيؤدى حتمًا إلى لحظة انهيار لا مفر منها.. وإما أن نعطى لأنفسنا فرصة أخيرة للنجاة بأن نصنع عدلًا اجتماعيًا ولو نسبيًا فى هذا البلد..

 

ads

بعد قطع العلاقات.. هل تؤيد عودة المصريين العاملين في «بي إن سبورت»؟

نعم
40%
لا
49%
غير مهتم
11%
ads
ads
<