وليد الغمرى يكتب: «احنى» الرأس فأنت فى حضرة شهيد

03:12 م

الإثنين 10/يوليه/2017

بلدنا اليوم
 

هو حين قابل الموت لم يشح عنه بالوجه.. ولم يحن له الرأس.. بل كان يحمل فى جيبه وصية لأبنائه.. وردد بمنتهى التحدى الشهادتين.. أعلن فى لحظة الضعف البشرى.. كل التحدى.. انتهى.. ولم ترهبه اللحظة الأخيرة.. لم تستطع أن تنتزع من على ثغره ابتسامته فى وجه الموت..

بمنتهى الفرحة والحزن.. بمنتهى الكراهية والحب.. أحدثكم عن ابتسامة شهيد.

لقد تركوا وسط دمائهم آلاف الدروس والحكايات.. تركوا لنا مجدًا سنباهى به دومًا بين الأمم.. وزرعوا فى ضمائرنا معنى جديدًا للحب.. حين يحارب الكراهية.

هى حرب فرضت علينا.. من ضمائر خائنة.. دفعتها الكراهية أن تدفع ثمن الرصاص الذى ينهش أجساد أبنائنا، وحين وقف ذلك المجند القروى البسيط، ليسجل أروع ملاحم التاريخ فى التضحية والفداء.. لم يكن يحركه غير الحب.. فحب الأوطان فى بلادنا.. ترضعه النساء للأطفال مع اللبن..

وبين "الحب" و"الكراهية" يقف الضمير البشرى ليستبيح كل موبيقات النفس البشرية.. بل ليمارس كل فرائض الترقى وصولًا إلى عرش الرحمن.. فلم يصعد النبى محمد صلوات الله وسلامه عليه إلى سدرة المنتهى.. إلا بالحب.. ولم يمنح المسيح لأعدائه أقوى من الحب.. بل لم يهو الشيطان إلى الجحيم إلا بكبر صنعته الكراهية..

وما زالت دروس السماء للخلائق لا تنتهى.. كل يوم هو فى شأن.. وربما كان شأنه فينا.. أن يعلمنا كيف يكون الحب المتشح بالدماء.. هو السبيل لكى تختار السماء أنصارها فى عصرنا.. إذا كانت السماء تختار أرواح الشهداء فى رحلة التصعيد للفردوس الأعلى.. فإن "الحب" وحده هو الذى يربط بين أرواح الخلائق وخالقها.. وربما يتعجب العقل حين تصبح "الكراهية" سببًا حتميًا فى اختيارات الحب.. فلم ترتق روح الشهيد إلا من على منصة الصعود.. لقاتل امتلأ قلبه بالكراهية.. وهنا تتجلى أقدار الله فى خلقه.. بين الحب والكراهية.

وحين كان الناس فى وطنى يختلفون فى ردود أفعالهم، وهم يشاهدون نعوش أبنائهم تكسوها ألوان العلم.. كان شيئا ما بخاطرى.. يفتش بين صور الشهداء.. يتأمل تلك الابتسامة التى عرف بها ثغر الشهداء فى بلادنا.. يفتش عن لحظة الموت وعما قبلها.. يتأمل ذلك الحب الذى لا تملك غير أن تدفع حياتك ثمنا له.. يتأمل ذلك الوجه الخسيس الذى امتلأ قلبه بالحقد والكراهية قبل أن تصافح نيرانه قلوبنا..

هى لحظات من البحث عن هوية وطن.. لكن هذه المرة فى ابتسامة شهيد.. طالما تساءل الناس ماذا قبل الموت رأى؟.. ويستحضرون أدبيات الشهادة من الأديان.. ويتحدثون عن رؤيته لمقعده فى الجنة قبل الصعود.. يفسرون الابتسامة بأنها ليست من عالمنا.. ويفرحون بها.. فيملأون زفة تشييع الجثامين بفرحة عرس الشهيد وهى مبللة بدموع فراقه..

لقد علمتنى ابتسامة الشهداء فى وطنى.. نوعًا جديدًا من الحب حين يحارب الكراهية.. منحتنى دفئا أشد عمقا من كل المشاعر التى مارسها قلبى فى كل حياته.. علمتنى أن أخبر أطفالى كل مساء.. أن تراب الأوطان غالٍ.. وأن مليون روح يمكن أن تزف إلى أعراس السماء.. فداءً للحظة دفء وأنت تدافع عن رمال هذا الوطن.

ووسط هذه الرحلة فى ابتسامة الشهداء وأعراسهم.. تأملت تلك الأرض التى يدافعون عنها.. هى فى ذاتها تحمل ألف معنى أشد تقديسًا من أنها أرض للوطن.. ولم لا وقد اختارها الإله لتكون لحظة تجليه الوحيدة بالصوت فى دنيا البشر.. فهنا نادى موسى النبى.. وهنا تحدث الإله.. وهنا تجلت عظمته وجبروته فى عصور الجبابرة.. وهنا أريقت دماء ملايين البشر.. الكل فى رحلة الخلاص الحقيقى مرت دماؤه هنا.. إنها سيناء.. ملتقى الحكايات.. أرض علمت البشرية الحب.. لكن بالدماء.. بابتسامة أخيرة لآلاف الشهداء..

لقد تعلمنا فى معارك الحب والكراهية.. كيف نحيا على الأرض بعزة.. أو نموت فوقها بمنتهى الكبرياء.. تعلمنا أن ابتسامة شهيد أقوى من رصاص قاتليه ملايين المرات.. تعلمنا كيف نحفر بالدم فوق التراب أسماء الشهداء.. تعلمنا كيف نعيش رجالا ونموت فى حبك يا مصر أوفياء.

<