وليد الغمرى يكتب.. أنتم لا تستحقون الرحمة!

09:07 م

السبت 12/أغسطس/2017

بلدنا اليوم
 

ربما كنا أكثر أهل الأرض الذين تم اعتقالهم فى حكايات التميز العنصرى بين "أهل الثقة" و"أهل الخبرة"، بل الأكثر من ذلك فقد أضيف إلى تصنيفاتنا العنصرية مصطلحات "أهل الشلة" و"أهل الأسرة".. فهناك أسر بكاملها تعمل فى سلك القضاء.. وأسر كاملة تعمل فى سلك الشرطة.. وأصبح توريث المهن بداية من الرياضة والفن وانتهاء بالاقتصاد والوزارات منهج حياة.. لينتهى المجتمع بكامله إلى أخطر هاوية يمكن أن تسقط فيها الأمم وهى "أنه لا يوجد فى بلادنا منصب ولا وظيفة يشغلها من يستحقها أو يليق بها"، وبلغ "الفُجر" والانحراف الوظيفى فى بلادنا للدرجة التى جعلت مكتب تنسيق الجامعات المصرية هو الآلة الرسمية لتفريغ مهن ووظائف لا تليق بمن ينتسبون إليها.. والنهاية الحتمية سواء طال الأجل أم قصر.. ستأتى لحظة إما سقوط مدوٍّ وإما انفجار مدوٍّ.. لأن هذا الواقع يتعارض مع كل قوانين العدل الاجتماعى والسماوى وحتى قوانين الحياة نفسها.

فليس غريبا أن ينهش الأستاذ الجامعى لحوم الطلبة الذين يتعلمون على يديه.. وليس غريبا أن يشكل عدد من أساتذة الطب مافيا لتجارة الأعضاء البشرية.. وليس غريبا أن يتحول الفن إلى تجارة للحم الرخيص.. والرياضة إلى هزائم متتالية.. ورجال الأعمال إلى محتكرين.. والوزراء إلى موظفين.. والسفراء إلى مسيئى سمعة.

ليس غريبا على الإطلاق أن يغرق المجتمع كله فى طبقية خسيسة، وانهيارات متتالية وفشل لا ينتهى.. ببساطة شديدة لأنكم أوكلتم الأمر إلى غير أهله.. وانهارت كل قيم الاجتهاد والعدل الوظيفى والاجتماعى.. وضاعت كل معايير الفرز الحقيقى للبشر.. وانتهينا باعتراف أعلى سلطة فى الدولة إلى أننا نعيش فى شبه دولة؟!

ليصبح السؤال الآن.. هل ستستمر الأوضاع فى بلادنا هكذا طويلا؟! والإجابة ظنية الثبوت لدىَّ.. إن كل ما خالف سنن الله فى ملكه لن يدوم أبدا مهما طال الأمد.. ومهما ظن الباطل أنه الأقوى وأنه المسيطر وأنه لن يهزم.

لذلك أبشركم جميعا أن غدا قريبا يلوح فى الأفق.. ينذر بالانفجار.. وأنه بات قاب قوسين أو أدنى من رؤوس العباد فى بلادنا.. فقد ولد جيل مختلف عن ذلك الذى ارتضى كل هذه القيم القذرة والمدمرة.. جيل شاهد أرضا غير أرضكم.. وقوانين غير قوانينكم.. وأحلاما غير تلك التى زرعتموها ملوثة فى قلوبهم.. فلم تنبت أبدا، لأنها ببساطة نبت خبيث وضع فى أرض طاهرة.

وأتذكر لحظة فارقة فى حياتى وحياة كل المصريين.. وبالتحديد يوم 28 يناير 2011 وفى تمام الساعة الخامسة وأمام المعهد القومى للسرطان فى مدخل شارع قصر العينى.. كنت قد أرهقت من عمليات الكر والفر التى تحدث ومنعتنى من الوصول إلى ميدان التحرير.. وبعد أن أصابنى من أدخنة القنابل المسيلة للدموع ما جعلنى غير قادر على التنفس.. قررت أن أعود إلى مقهى شاهدته على كورنيش محطة الملك الصالح.. كى أسترد شيئا من قوتى قبل معاودة المحاولة للوصول إلى ميدان التحرير مرة أخرى.

وقتها كانت كل الشوارع المؤدية إلى الميدان لا يمكنك أن ترى بها شيئا غير ضباب الأدخنة المسيلة للدموع.. التى كانت أصوات طلقاتها تتصارع صراعا مميتا مع هتافات تعلو وتخبو للمتظاهرين.. وعلى بداية كوبرى الملك الصالح من جانب ميدان التحرير وقفت لألتقط أنفاسى المنهكة.. وإذا بسيل من البشر لم أر مثله فى كل حياتى.. حول الكوبرى من الأعلى والأسفل إلى بشر أرى بدايتهم ولا أرى لهم نهاية.. كأن الحجارة فى الشوارع قد أنبتت بشرا.. فى أعداد لا يمكن حصرها.. وصوت الهتاف لا يزال تتردد أصداؤه فى كل جوارحى حتى وأنا أخط تلك السطور..

واستحضرت العبارة الشهيرة للرئيس الأسبق مبارك حين قال "خليهم يتسلوا".. استحضرت كل لحظات الجبن والخنوع والخوف التى كنت أراها فى أعين الناس قبل هذا اليوم.. وتساءلت كيف خرج هذا المارد من رحم الخوف والقهر؟ كيف ولد الأحرار من رحم الجبن والرعب؟ كيف ثار الناس؟

الغريب فى هذه المشاهد التى ما زالت ترتعد أوصالى كلما استحضرتها فى ذاكرتى.. أن كل أساتذة العلوم السياسية فى مصر وخارجها.. أقروا بما لا يدع مجالا للشك أن كل ما شهدته مصر وصنفناه نحن على أنه ثورة أو ثورتان.. هو على ميزان الثورات ليس غير مجرد احتجاجات واسعة النطاق.. أو لنقل انتفاضة.. أو حراكا جماهيريا غاضبا.. أو حتى كما كان يحلو للمصريين تسميتها تاريخيا على أنها "هوجة" كما فى هوجة عرابى.

ليصبح السؤال الآن إذا كانت كل هذه الهزات الاجتماعية ليست ثورة.. فماذا لو ثار المصريون ثورة حقيقية كما يعرفها رجال العلوم السياسية.. ماذا لو تحققت نبوءة المتشائمين وخرجت ثورة للجياع فى مصر؟!

وأذكر وسأظل أذكر أن المطلب الثالث لجيل يناير.. كان العدالة الاجتماعية.. إنه العدل يا سادة.. العدل فى الوظائف.. العدل فى الكليات.. العدل فى تقسيم وتوزيع الثروة.. العدل فى الحياة.. العدل الذى جعله الإله ذاته أساسا للملك.. إذ لا ملك بلا عدل.. ولا ملك إلا بإذن الله.. أوليس هو الذى يعز من يشاء ويذل من يشاء ويمنح الملك لمن يشاء وينزعه ممن يشاء؟!

ليصبح السؤال الأخير الآن.. إلى متى سنظل جميعا مشاركين فى جريمة غياب العدل فى بلادنا؟ وأنا هنا لا أزايد على سلطة تحكم.. ولكنى أتحدث عن مجتمع بالكامل ارتضى أن يكون الظلم منهج حياة.. فابن القاضى لم يصبح قاضيا دون حق إلا حينما ارتضى أبوه لنجله أن يظلم الناس فى رحلة البحث للجلوس على مقعد العدالة.. ورجل الشرطة الذى ولد فى بيته فنان ولكنه أراد أن يكون "باشا".. ليس إلا مرتكبا لجريمة فى رحلة الوصول إلى مقعد منع الجريمة فى بلاده.. وأستاذ الجامعة الذى منح رسائل علمية برشاوى جنسية أو مالية.. ليس إلا صانعا للجهل وهو المسؤول عن العلم فى وطنه.. وعشرات من الأمثلة التى لا تنتهى فى كل المهن والوظائف.. تنتهى جميعها إلى فوضى حصد الألقاب الاجتماعية المزيفة.

فجميعنا يا سادة شركاء فى هذا الضياع الذى وصلنا إليه.. حكاما ومحكومين.. ثم نتشدق فى نهاية كل هذا العبث.. بأننا شعب متدين بطبعه.. نسرق حقوق البعض منا.. ونستبيح الضعفاء فينا.. ثم نشعل الأرض جحيما لأن فتاة لا تقبل ارتداء الحجاب.. أو أن شابا صغيرا ضبط متلبسا بالفطر فى نهار رمضان.

كأننا قررنا بشكل جمعى أن نكون منتجين للعبث وللفساد والإفساد فى كل قوانين الحياة من حولنا.. ثم نتساءل لماذا نحن مهزومون؟ ولماذا لا تناصرنا السماء؟ ولماذا ضاعت هويتنا وسط الأمم؟

لقد أصبح "العدل" هو الحقيقة الغائبة بيننا.. وهان كل منا على الآخر.. فأصابنا الوهن والضعف.. وتركتنا السماء بلا مدد.. فلم ننصر أنفسنا لكى نطلب النصر من الله.. فحق علينا جميعا ما نحن فيه.. مصائب وكوارث وجوع وفقر وبطالة ومرض.. كلها بما كسبت أيدينا.. وبقى الأمر كله مردودا إلى رحمة الله فينا.. نرجوها عسى أن تأتينا بقلة منا ضعفاء يرحمنا الله من أجلهم.

 

<