وليد الغمرى يكتب: برقية مفتوحة إلى شيخ جليل

04:56 م

الإثنين 28/أغسطس/2017

بلدنا اليوم
 
يا أبى هذا رسولك الصغير.. طفلك الذى كبر وتحوّل فى «رحلة زمن» إلى صحفى، وخاض عن عمد ألف معركة.. أخفيتها جميعًا عنك.. فقد كنت صغيرًا، وحلمت يا أبى أنى أكون «رسول» وقتها لم تعارضنى.. ولم تقنعنى يا أبتى أن زمن الأنبياء قد انتهى.. لم تفلح كل محاولات أساتذتى فى المدرسة بإثنائى عن حلم الرسالة..
كبرت يا أبى.. وأحتفلُ بعام جديد فى عمر المعركة.. وما زلت يا أبتى أأبى الاعتراف أن عصر الأنبياء قد انتهى.. لكنى شاهدتُ فى الرحلة عشرات الدجالين.. وألف مسيلمة كذاب.. وطوابير من النخاسين.. وتجار الأوطان والحناجر والقلوب.. وجميعهم يا أبتى وسط الرحلة صارعتهم.. وهزمتهم.. وتعلمت فى بلاط الكلمة ألف رسالة جديدة لرسالتى.. تعلمت كيف يمكن للكلمة أن تكون طلقة رصاص.. وكيف يتآمرون عليها ويستبيحون الحبر فى شرايينى.

نعم، اخترت أن تكون هذه السطور من أجلك يا صاحب المقام الرفيع فى دنيتى.. اخترت أن أحتفل معك.. ومعك وحدك يا أبى.. بمرور عام على تجربتى الصحفية.. ولِمَ لا وأنت أول أتباعى وأول من صدقوا رسالتى.. وأول من اكتوى بالخوف عليا حين أصابتنى نيران مدفعيتى.

أقولها لك اليوم بمنتهى الصراحة.. إن أول درس فى معركة الشرف كان هناك بجوارك حين اصطحبتنى لأول مرة إلى المسجد.. كنت رسولًا صغيرًا.. قبل أن أتحول اليوم إلى بشر.. كنت طفلًا ككل الأطفال.. أسابق الأرض مع الريح نحو هُويتى.. جلست يا أبى تعلمنى «نون والقلم وما يسطرون» علمتنى كيف أكون.. بالكلمة يا أبتى «مجنون».

وهأنذا.. أحمل سيفًا ودرعًا وخلفى كتيبة من الفرسان.. جميعهم حاولت أن أنقل لهم وصيتك.. علمتهم أن يكونوا أحرارًا فى زمن الخوف.. ورجالًا حين تنتحب من حولهم النساء.. علمتهم أن نيران كلماتهم لا تصوب غير للأعداء.

لكننا اكتشفنا ملايين الأعداء يا أبى.. اكتشفنا أن رمال الوطن أغلى فى أعيننا من جبال ذهبهم.. ولم يقنعنا أحد بالتفريط يا أبى.. لم يستطيعوا هزيمتنا.. لقد زرعت فى الأرض نبتًا طيبًا.. وزرعته من بعدك فى قلوب الجنود من حولى.. علمتهم يا أبى ألف حكمة منحتها لى.. وجعلت منهم كتيبة صلبة.. وعصية على الانكسار..
هذه كتيبة «بلدنا اليوم»، شباب ورجال ونساء، جميعهم يا أبتى ولدوا من حولى ليكونوا كبارًا.. ولدوا ليكونوا جنودًا فى معركة شريفة بالقلم ومن أجل الوطن.

جميعهم يا أبتى علمتهم أن يكونوا أحرارًا.. أن يكتبوا الحق ولو على رقابهم السياف ومن خلفهم النار.. علمتهم أن كلمتنا شرف.. وأن معركتنا مقدسة.. وأن للحرف دومًا ربًا يحميه.. وأن وطنًا بلا أقلام هو وطن دنس الخطى.. علمتهم أن يقفوا خلف أقلامهم وبداخل كل منهم قلب شاهد وشهيد.

أكتب إليك اليوم من على منصة الأحرار يا أبى.. أكتب عن 52 معركة خضناها فى عام.. ويعلم الله أننا لم نحارب غير الأشرار.. أكتب عن هوية الكلمة حين تتحول إلى رصاصة فى أرض المعركة.. لقد خضنا معركة «بلد الشقيانين»، واستبحنا فى عز القهر أن ندخل «أرض الخوف»، ولم نخش أحدًا حين قلنا «لعنة الدستور»، وكشفنا يا أبى «وهم الخلافة»، وتحدثنا عن «عودة الجنرال»، وعن «الحب فى زمن الحرب»، لقد قلنا لهم كيف نرى «الرسول والأقباط»، وتحدثنا عن «معركة الأرض»، وقلنا له «شيل إنت»، وقلنا له «وبعدين»، وذكرنا «رجال على جبل الحلال»، وحكينا يا أبى عن «الأحلام المسروقة فى مصر»، ولما باعوها قلنا «بيعة رخيصة»، ولما خفنا عليها قلنا «الحقوها عشان خاطر ربنا»، وحين رأينا من ينهبونها صرخنا بـ«رد خيرها لأهلها»، قلنا «أزمة خيانة»، وحذرناهم من «العائدون»، وقلنا «دى مصر يا سالمان»، قلنا وسنظل نقول «يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر».

هذه كانت بعض عناوين معاركنا يا أيها الشيخ الجليل.. فهل صدقتك ما عاهدتك عليه منذ عقود يا أبى؟.. لقد اجتهدتُ وسأستمر.. واجتهد معى عشرات الجنود.. لم نكن وما زلنا لا نبغى غير مرضاة الله سبيلًا.. فهل استحق ابنك أن يكون رسولًا صغيرًا؟!


<