الهروب إلى الموت.. منافذ تهريب المصريين للأراضي الليبية (تقرير)

سارة أبو شادي- شحاته السيد

07:28 م

السبت 30/سبتمبر/2017

بلدنا اليوم
 
تعتبر حدود مصر الغربية الأشد خطرا من غيرها بسبب اتساعها ووجود الكثير من المدقات والطرق المموجة، مما يصعب على قوات حرس الحدود الوجود فى المنطقة وتأمينها، مما يدفع سماسرة الهجرة غير الشرعية من اتخاذ تلك الطرق كممرات سهلة يستطيعون من خلالها الخروج والدخول إلى ليبيا، ومن أبرز تلك الطرق والمدقات الصحراوية التى يستخدمها سماسرة الهجرة غير الشرعية لتهريب ضحاياهم «طريق رأس الجدى، والعقرب، والرابية، والقرن، درب بهى الدين، درب جنوب، درب الإسطبل، درب الشقة، درب شفرزن، درب المحصحص، وطريق الخالدة، طريق الجراولة»، حيث يتم من خلالهم نقل البضائع المهربة وعمليات تهريب السلاح والمخدرات من ليبيا إلى مصر، بالإضافة إلى أن هذه الطرق تفتقد تماما من سيطرة قوات الأمن، مما يجعلها ممرات سهلة أمام الهاربين من تجار السلاح والبشر أيضا الكارثة الكبرى، وهى استغلال الإرهابيين تلك المناطق فى الدخول والخروج إلى المحروسة لتنفيذ عملياتهم.


العميد حسين الشريف مدير شرطة ميناء السلوم، تحدث عن الهجرة غير الشرعية وكيفة خروج الشباب المصريين إلى ليبيا دون ملاحظة القوات، قائلا إن الحدود الغربية مفتوحة وطويلة، فهى تمتد نحو 1500 متر، ولا يستطيع نشر قوات فى المنطقة بأكملها لأن أغلبها دروب ومدقات فالسيطرة الكبيرة تكون على المنفذ فقط.

بالإضافة إلى أن هناك إجراءات مشددة على منفذ السلوم لا يستطيع أى شخص الدخول أو الخروج منه دون تصريح، وما حدث مع الشباب المصريين الذين تم العثور على جثثهم فى ليبيا من المؤكد أنهم خرجوا من طريق آخر بعيدا عن المنفذ ما داموا لم يحصلوا على تأشيرة سفر، موضحا أن هدف هؤلاء الشباب لم يكن ليبيا ولكن كانوا متوجهين لإحدى الدول الأوروبية عن طريقها، وفقا لما أكده مدير شرطة ميناء السلوم.

ونهاية فالعقيد حسين الشريف تحدث عن أن الأمن المصرى لا يمكن له السيطرة على جميع تلك المناطق الموجودة بطول الحدود الغربية، ولذلك فلا يمكن تحميله مسؤولية خروج ودخول هؤلاء الشباب، فهم فقط من يتحملون نتيجة هروبهم وبحثهم عن العمل خارج حدود الدولة المصرية.

- قصة العثور على جثة ضحية «باويط» فى الصحراء الليبية
بجلبابها الصعيدى وملامح وجهها التى تعتليها آثار الحزن والوجع، جلست أم محمد والدة أحد ضحايا الهجرة غير الشرعية المصريين، الذين ماتوا جوعا وعطشا فى قلب صحراء جرداء لا يوجد بها زرع ولا ماء، كان حلمهم الوصول للجانب الآخر لعل وعسى أن يستطيعوا مساعدة آبائهم فى الخروج من مرار العيش الذى هم به منذ عشرات السنين، ولكن لم يكتمل الحلم وكان مصيره بداخل حفرة لا تتعدى الأمتار يغطى جسده الطاهر حفنة من الرمال.

«محمد سعيد سيد» شاب فى العقد الرابع من عمره، قضى حياته بسيطا فى قريته الصغيرة «باويط» إحدى قرى مركز ديروط التابعة لمحافظة أسيوط، بالرغم من أن محمد عمره 37 عاما فإن حلم الغربة والسفر كان يسيطر عليه كغيره من الشباب، الذين لم تمنحهم الحياة فرصة لعيش كريم فوجدوا أن السفر هو من سيمنحهم هذه الفرصة.

محمد الشاب الناضج المسؤول عن أسرة تتكون من زوجة وطفلين بجانب أمه المريضة التى يرعاها، قضى حياته بأكملها عاملا بالأجرة، يعمل يوما ويجلس يوما آخر، حتى جاءت اللحظة والتى لم يفكر فى شىء سوى حياة أطفاله الصغار فى محاولة منه للبحث عن عيشة كريمة لهم، بعيدا عن الشقاء والتعب الذى عاش فيه والدهم، جهز عدته وبحث عن مصادر عديدة لجمع الأموال التى ستكون سببا فى هجرته خارج حدود وطنه الذى لطالما عانى بداخله بسبب قسوته، وحان الوقت للذهاب فلا يدرى أن الطريق الذى سيسلكه هذه المرة ذهاب بلا عودة، خرج من بلدته برفقة آخرين من أبناء محافظته أسيوط، واتجوا غربا نحو السلوم لعبور الحدود.

«كنا بنكلمه على التليفون طول الرحلة لغاية لما الخط قطع»، بتلك الكلمات تحدث أخو الضحية عن أنهم كانوا على اتصال بأخيهم حتى مروا من الحدود ليفاجؤوا بقطع الاتصال نهائيا، وظل الأمر هكذا فترة طويلة، ليكتشفوا بعد ذلك أنه تم العثور على جثث شباب مصريين فى الصحراء الليبية، لم يكن يخطر ببال أهل محمد أن يكون ابنهم ضمن تلك الجثث بالرغم من أن الجميع توقع الأمر، خاصة بعدما نشرته العديد من وسائل الإعلام المصرية، ليدق الهلع قلوب تلك الأسرة وغيرها من الأسر المصرية التى أرسلة فلذات أكبادها ليصارعوا الموت بداخل الصحراء بحثًا عن لقمة العيش.

سافر أشقاء محمد الثلاثة بعد ذلك للبحث عن شقيقهم انتظروا طويلا للعودة حتى برفاته إلى والدتهم المكلومة لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على فلذة كبدها ولكن بلا فائدة، فمحمد قد سكن جثمانه فى الصحراء ولن يعود مرة أخرى لدياره حتى وهو ميت، وهنا كانت النهاية، نهاية عدد من الشباب المصريين فى قلب صحراء قيل إنهم ماتوا جوعا وعطشا، ولكن لم يكن هذا هو القاتل الحقيقى فالفقر والقسوة التى وجدوها فى أوطانهم هى القاتل الحقيقى لهؤلاء الشباب، ووفاتهم كانت جرحا آخر فى قلب هذا الوطن.

- كشفها قيادى بالجيش الليبى.. أسرار وفاة الشباب المصريين بصحراء طبرق
بعد حادثة العثور على جثث الـ13 شابا وبعدهم مباشرة تم العثور على جثة نحو 7 آخرين بالقرب من المنطقة، وقبلهم وتحديدا فى يوليو تم العثور على جثة 60 شابا جميعهم فى نفس المنطقة، الأمر الذى أثار حوله الكثير من الشكوك، مما اعتبر البعض أن تلك المنطقة هى من يصل إليها الشباب المصريون ويتم قتلهم ودفنهم بداخلها، بعد سرقة أموالهم من قبل السماسرة التى يتعاونون معهم.

وبشأن هذا الأمر توصلنا إلى محمد بوريدع، أحد قيادات الجيش الوطنى الليبى بمنطقة طبرق، وبدأ حديثه عن المنطقة التى تم العثور على جثث الشباب بداخلها، واصفا إياها بأنها تتميز بطبيعة خاصة جعلت منها وكرا آمنا لعصابات التهريب وسماسرة الهجرة غير الشرعية، خاصة مع عدم وجود دوريات من الجيش الوطنى الليبى تصل إليها، لبعدها عن المناطق العمرانية وسيطرت بعض القبائل عليها بالكامل وبخاصة «أولاد على» الذين اشتهروا بتجارة الأسلحة والمخدرات وتهريب العمالة عن طريق بعض السماسرة الذين يعملون لحسابهم، مستغلين وجودهم فى العمق المصرى داخل بعض مراكز المحافظات التى يأتى شبابها إلى ليبيا بكثافة خاصة «البحيرة – الفيوم».

فهناك شىء غامض فى الموضوع، حيث تكررت الحادثة مرتين فى أقل من شهرين وفى نفس التوقيت تقريبا، وهو ما أثار الشكوك حول وفاة الشباب المصريين، وطالبنا بفتح تحقيق عاجل حول الواقعة، لكن لا يوجد أية معالم تدل على أن هناك شبهة جنائية، ويمكن أن يكون تم قتلهم عن طريق تجويعهم، وهو ما أكدته الحادثة الأخيرة، حيث إن السيارة طبقا للتحريات تبدو بحالة جيدة، وهى من طراز تويوتا دفع رباعى هايلوكس 2 كابينة 27، وهى سيارة معروفة لدى أبناء ليبيا بالقوة والصلابة وتحمل السير لمدة طويلة فى الصحراء، حيث إنها صممت لذلك الغرض، وفقا لمحمد بوريدع.

وبسؤاله عن خطورة المنطقة التى وجد بها الشباب المصريون، أجاب بوريدع بأن المنطقة بطبيعتها لا تمثل خطورة بالدرجة التى يتخيلها من لم يزرها، فالشىء العجيب أنه فى الحادثتين المبلغ مصرى، فقد جاء اتصال لبعض قوات الجيش الليبى عن طريق أحد المصريين من داخل الأراضى المصرية للتبليغ عن وجود جثث لشباب مصريين بالقرب من طبرق، هذا الأمر الذى تكرر مع جثث الشباب المصريين الـ60 الذين تم العثور عليهم بنفس الطريقة، فالسؤال هنا كيف علم الشخص المبلغ بوفاتهم فى هذا المكان بالتحديد؟ ولماذا أبلغ عنهم بعد وفاتهم بأكثر من أسبوع؟ فالإجابة الوحيدة التى من الممكن أن نتوصل إليها هو أنه من الممكن أن يكون الشخص المتصل نفسه هو وسيطا للسمار الذى أتى بهم إلى هنا وتاجر بحياتهم وتركهم يموتون جوعا وعطشا، ولماذا أيضا رغم صلاحية السيارة كانت جثثهم متفرقة، فالـ13 عثر عليهم فى مكان والـ7 الآخرين بعدهم ماتوا على مسافة أكثر من 2 كيلومتر؟ هل تم إلقاؤهم من السيارة واحدا تلو الآخر أم ماذا حدث؟ كل هذه أسئلة يجيب عليها الوسيط المصرى الذى أبلغ عن وجود الجثث ويشرح لنا كيف علم بوجودهم ولماذا فى كل مرة نفس الشخص دون تغيير.

أسئلة كثيرة طرحها أحد قيادات الجيش الوطنى الليبى لا يملك أحد حاليا الإجابة عليها، بالإضافة إلى أنها فتحت الباب أمام أحداث عديدة، فيجب أن يتكاتف الأمن المصرى بالتعاون مع الليبى للكشف عن هذه الأسئلة لأن الأمر شديد الخطورة، وسيظل يتكرر يوميا ما دام الجانى لم يحاسب على فعلته وجرائمه، حسب ما قاله محمد بوريدع.

- أحد أقرباء الضحايا يكشف المستور.. الاتصال انقطع بعد خناقة السمسار المصرى مع الوسيط الليبى
الرواية التى خرجت بعد العثور على الشباب المصريين، التى أفادت أنهم ماتوا جوعا وعطشا بعدما قضوا أياما بداخل الصحراء، من الممكن أن تكون سليمة ومن الممكن أيضا أن تكون خاطئة، ومن هنا تأتى الرواية التى من الممكن أن تكون أكثر صدقا والتى تفيد بأن هؤلاء الشباب وغيرهم ممن سبقوهم تم الغدر بهم وقتلوا، حتى ولو كان هذا القتل منع الطعام والشراب عنهم أو بأى طريقة أخرى يصعب من خلالها الوصول إلى الجانى.

ولأن تلك الرواية تعد للبعض الأكثر صدقا، خاصة بعدما تواصلنا مع أقرباء أحد الشباب الذين تم العثور على جثته فى صحراء طبرق بليبيا، ليؤكد لنا أنه كان دائم الاتصال بقريبه أثناء رحلة سفرهم غير الشرعى إلى ليبيا، ولكن كانت المفاجأة حينما أبلغه قريبه بأنه حدثت مشكلة بين السمسار المصرى والوسيط الليبى، الأمر الذى دفع الوسيط الليبى إلى عدم إكمال المهمة المكلف بها، وبعد ذلك بفترة ليست طويلة تم غلق الخط نهائيا ولم يتمكن بعد ذلك من الوصول إليه حتى علم من وسائل التواصل الاجتماعى أنه تم العثور على جثث شباب مصريين بصحراء ليبيا، ليتيقن أنه قريبه من ضمن هؤلاء وبالفعل كان ذلك ما حدث، فهل من الممكن أن يكون هؤلاء الشباب ضحية لطمع السمسار المصرى والوسيط الليبى، مما جعلهم يتركون فى الصحراء للموت مصارعين الجوع والعطش أم قتلوا بطريقة أخرى، فالقصة مجهولة والضحية كان هؤلاء الشباب الذين خرجوا هاربين للبحث عن قوت يومهم وحياة كريمة، لتنتهى تلك الحياة بالنسبة إليهم فى وسط رمال بصحراء خارج حدود وطنهم الذين هربوا منه.


- السماسرة يتلاعبون بأحلام الباحثين عن الثراء فى الغربة

أحمد شاب من أبناء محافظة أسيوط يبلغ من العمر 25 عاما، تعلق بحلم السفر كغيره من شباب جيله، وبدأ بالتفكير فى خطة للهروب حتى ولو كانت غير شرعية، ما دام فى النهاية سيصل إلى هدفه وهو الوجود خارج حدود الدولة المصرية، ولكن ما ظل يحلم به طوال عمره أصبح كابوسا بالنسبة إليه حاليا.

بدأت الحكاية عندما قرر الشاب الوصول إلى ما يطلقون على أنفسهم سماسرة الهجرة غير الشرعية، حتى اكتشف أن أحدهم يقطن بداخل محافظته، فخرج للبحث عن هذا السمسار الذى يعد بالنسبة إليه طوق نجاة، ليحصل بعد مشقة على رقم هاتفه واتصل به ليجيب عليه شخص يدعى «أبو عمارة».

«أنا أحمد وعايزه أهاجر بره»، تلك الجملة التى كررها أحمد على مسامع السمسار، وبعد حديث ومناقشة طويلة اتفقا على مبلغ 16 ألف جنيه يدفع أحمد نصفه مقدما، والنصف الآخر عند عبور الحدود، المبلغ الذى لم يعترض أحمد عليه نهائيا خاصة أنه قد قام بالسؤال من قبل على الأسعار فاكتشف أن هذا السمسار أرخص من غيره، فتلك الفرصة لا يمكن أن تضيع هباء فى رأى أحمد.

لم يمكث أحمد طويلا خوفا من أن يخلف السمسار وعده، فبدأ فى نفس اليوم بجمع المبلغ المتفق عليه 8 آلاف جنيه، وقرر الذهاب للسمسار فى اليوم التالى مباشرة، وبالفعل استقل أحمد سيارة من قريته وفى حوزته 8 آلاف جنيه وجواز سفر إلى قرية السمسار التى تبعد نحو 45 كم، وسلم ما معه من أموال وجواز سفره إلى السمسار وعاد إلى بيته فى انتظار مكالمة هاتفية من السمسار ليحدد فيها ميعاد الرحلة.

«يوم الثلاث كان النجاة بالنسبة لى» فى مساء يوم الثلاثاء وكان الجو شديد البرودة، وبعد خروج أحمد من صلاة العشاء بالتحديد فوجئ باتصال من «السمسار» يخطره أن يستعد للسفر، وأنه وبعد نصف ساعة ستمر عليه سيارة أجرة لتقله إلى مكان التجمع، وبعد أقل من الساعة وصلت السيارة بالقرب من بيت الشاب لينطلق بصحبة 10 شباب آخرين من أسيوط كانوا بداخلها إلى محافظة البحيرة، وبالتحديد إلى قرية «تلبانة» التابعة لمركز إيتاى البارود، ومن هنا كان اللقاء الثانى حيث سلم «أبو عمارة» سمسار أسيوط الشباب إلى آخر ويدعى «القذافى».

وبدأت رحلة أخرى من داخل محافظة البحيرة، حيث انتظر الشباب قرابة الـ4 ساعات للانطلاق فى رحلة أخرى إلى قرية تسمى "فيشة" التابعة لمركز المحمودية بنفس المحافظة، ليفاجؤوا بأن هناك شخصا آخر فى انتظارهم يدعى «محسن»، حيث يعتبر هو حلقة الوصل بين حراس الطرق الجبلية وبين السماسرة، لينتظروا بداخلها قرابة 4 ساعات أخرى، ثم جاء «محسن» ليخبر القذافى أو كما يطلق عليه السمسار الثانى بأن يسلك هو ومن معه من الشباب طريق درب المحصحص» التى تبعد عن السلوم بضعة كيلومترات.

- الطرق الصحراوية المؤدية للحدود
«وصلنا بعد 18 ساعة فى الصحراء»، ويستكمل الشاب حديثه بأنه بعد 18 ساعة متواصلة فى الصحراء وصلوا إلى منطقة تسمى «سيدى برانى»، والتى مكثوا بداخلها قرابة الـ4 ساعات أخرى، ثم جاء شخص آخر يدعى «سالم» الذى بدا من ملابسه أنه أحد العرب الموجودين بالمنطقة، وبعد حوار طويل دار بينه وبين القذافى «السمسار»، خرج وعاد مرة أخرى بعد مرور حوالى ساعتين، ليصدرأمرا بالتحرك.

- عبور الحدود
«نمنا فى الصحراء لغاية الفجر»، وتابع الشاب كلامه عن المأساة التى تعرض لها من أجل تحقيق حلم السفر إلى ليبيا، بأنه وأثناء انتظارهم فى الصحراء وتحديدا فى الثالثة فجرا بدأوا فى السير مرة أخرى ليجدوا أمامهم دورية تابعة لحرس الحدود مكونة من 4 جنود متفرقين يحملون الأسلحة النارية، بدأ السمسار فى السير بعيدا عنهم شيئا فشيئا حتى وصلوا إلى منطقة خالية، وكان فى انتظارهم شخص يدعى «أبو سهيلة» أحد أبناء القبائل الموجودة فى المنطقة، والتى تحكم سيطرتها الكاملة على الحدود، وهنا طلب «القذافى» نصف المبلغ المتبقى 8 آلاف جنيه، ولم يجد الشباب أمامهم سوى إعطائه باقى المبلغ لينهى السمسار هنا رحلته، واتخذ الشباب طريقا جديدا مع سمسار آخر، ساروا خلفه سيرا على الأقدام حوالى 15 كم حتى وصلوا إلى منزل مهجور، وقام «أبو سهيلة» بتركهم بداخل المنزل وأمرهم بعدم الخروج حتى يعود إليهم مرة أخرى.

- رحلة جديدة فى طريق الموت 
«رجعلنا بعد العشا بعلبة بسكويت علشان نأكل»، واستمر الشباب بداخل المنزل المهجور ساعات عديدة دون طعام أو شراب، حتى عاد إليهم «أبو سهيلة» بعد صلاة العشاء بنصف ساعة ومعه علبتا بسكويت محشوتان بالبلح، لإطعامهم وبعدها مباشرة طلب منهم الصعود إلى سيارة دفع رباعى ماركة تويوتا، ليسلك بهم طريقا يسمى «عين دالة» الذى يبلغ طوله حوالى 220 كيلومترا وينتهى قبل منطقة طبرق بحوالى 60 كيلومترا، ليصلوا مرة أخرى إلى منزل مهجور بوسط الصحراء بداخله ملابس قديمة لشباب عبروا الحدود من قبل، ومكثوا فى هذا المنزل حتى العشاء، ثم عاودوا السير مرة أخرى حتى وصلوا إلى منطقة تسمى «أبو منقار» التى تبعد حوالى 600 كيلومتر عن طبرق بالقرب من بنى غازى، وهنا بدأت رحلة الموت.

- من الحدود إلى السجون
«كنا هنموت من الجوع والعطش»، بدت آثار الحزن على وجه أحمد أثناء حديثه، ليستكمل رحلته القاسية، حتى قال إنه كان قريبا من الموت هو وزملاء رحلته من شدة الجوع والعطش والتعب والإرهاق، وطلبوا من «أبى سهيلة» أن يحضر لهم طعاما فأعطاهم علبة بسكويت كانت معه فى السيارة، وقبل أن يصلوا إلى بنى غازى طلب منهم النزول من السيارة، والانتظار فى وسط الصحراء حتى حلول المساء وسوف تأتى سيارة أخرى لتقلهم، وانصرف بسيارته نحو بنى غازى، ليفترش هؤلاء الشباب الرمال حتى حل المساء ولم يأت أحد ليأخذهم، وحاول أحدهم كان معه هاتف محمول التواصل مع السمسار لكنهم ومنذ عبورهم الحدود انقطعت الشبكة نهائيا، وهنا تيقن هؤلاء الشباب أن الموت قادم لا محالة، وانتهى حلمهم الوحيد للسفر خارج البلاد، ومع شدة الإرهاق والتعب ناموا مفترشين أرض الصحراء.

«صحينا على صوت أقدام وعربيات وكشافات نور» عادت الحياة مرة أخرى إلى هؤلاء الشباب حتى ولو لم تكن كما يسرهم، خاصة بعد استيقاظهم على أصوات خطوات أقدام وأضواء كشافات ليكتشفوا أنها تابعة للجيش الوطنى الليبى، ليحملوهم إلى داخل البلاد ولكن فى طريق آخر غير ما كانوا يحلمون به، فقد اقتيدوا إلى سجن «بنى غازى» ليمكثوا بداخله حوالى أسبوعين، ليرحلوا بعد ذلك إلى سجن بمنطقة «البريقة»، وظلوا به نحو 6 أشهر.

«بعد 6 شهور قضيناها فى سجون ليبيا خرجنا بعد ما دفعنا رشوة»، تحدث أحمد بأنه وبعد 6 أشهر قضاها بداخل سجون ليبيا، تعرض خلالها لأشد أنواع العذاب، وصارعوا الموت طويلا، استطاع هؤلاء الشباب الخروج برشوة قدرها 20 ألف دينار ليبى عن كل واحد منا، أى ما يعادل نحو 100 ألف جنيه مصرى، دفعها لهم أحد أقاربهم بعد أن تواصل مع حرس سجن «الكراريم» الذى يقع بالقرب من منطقة «مصراتة» التى تعد أكثر المدن تدميرا فى ليبيا، ليتسلمهم أقاربهم بعد رحلة استمرت حوالى الـ7 أشهر.

«فضلت شهر كامل فى البيت مابخرجش»، اختتم الشاب حديثه بأنه وبعد هذا الشهر خرج للبحث عن عمل لتسديد ديونه التى بلغت نحو 30 ألف دينار لكل شخص، والتى ظل يعمل حوالى عام ونصف حتى يسددها، وهنا انتهت رحلة البحث عن السفر مرة أخرى بعدما واجه هذا الشاب وغيره طريقا للموت كان من الممكن أن لا يعودوا مرة ثانية إلى ديارهم إلا أن عناية الله كانت الأقوى.


- نور الدين: دوريات الأمن الحل الوحيد لمنع التسلل
محمد نور الدين الخبير الأمنى تحدث عما يحدث من زيادة أعداد المهاجرين غير الشرعيين فى الفترة الأخيرة، متسائلا عن عدم معرفته لماذا يحاول الشباب المصريون الذهاب إلى الهلاك خاصة أن ليبيا غير مستقرة، فبداخلها أكثر من 20 جماعة إرهابية ومن بداخلها معرضون للموت فى أى لحظة، حتى إن قرآننا نهانا عن إلقاء أنفسنا إلى التهلكة.

وبالنسبة لقوات الأمن الموجودة على الحدود الغربية، فهناك صعوبات كثيرة تواجهها، خاصة أن طولها أكثر من ألف متر، مما يجعل من الصعب السيطرة عليها بالكامل، الأمر الذى يدفع البعض لاستغلال هذا الأمر بمساعدة بعض أفراد العرب الذين على علم ودراية كاملة بالدروب الموجودة فى المنطقة، والجهات الأمنية الموجودة على الحدود غير مقصرة، فهناك دوريات يومية من طيران الاستطلاع تخرج لتمشيط المنطقة، وفى حالة وجود أى عربيات دفع رباعى يتم اصطيادها مباشرة، ولكن لأن المهربين على علم بهذا الأمر فإنهم نادرا ما يستخدمون تلك العربات.

وبسؤاله عن مرور هؤلاء الشباب من ميناء السلوم، نفى الخبير الأمنى ومدير أمن المنيا سابقا هذا الأمر بأنه لا يوجد أية أفراد يمرون من خلال ميناء السلوم إلا بجوازات سفر وتأشيرات موثقة، أما المهاجرون غير الشرعيين فيتخذون طرقا خفية وعلى رأسهم سيدى برانى، وللأسف فالأمن يعلم جيدا جميع تلك الطرق ولكن لا يوجد جيش فى العالم يستطيع أن يسيطر على مسافة تلك الحدود، ولكن قوات الأمن تقوم بدوريات وعمليات استطلاع متواصلة، حسب ما أوضحه محمد نور الدين الخبير الأمنى ومدير أمن المنيا.

- اتهام «أولاد على» بالعمل سماسرة.. وأحد شيوخ القبيلة ينفى
فتحت حادثة العثور على جثث بعض الشباب المصريين فى منطقة طبرق الليبية العديد من التساؤلات لدى البعض، خاصة أنها لم تكن المرة الأولى هذا العام، التى يتم فيها العثور على جثث شباب مصريين فى ليبيا، والغريب فى الأمر أن الحادثتين وقعتا فى نفس المنطقة، مما جعل البعض يتيقن أن تلك الحادثة لم تكن مجرد موت شباب بسبب ارتفاع الحرارة فى الصحراء وعدم توافر الطعام والشراب.

فتفصيلا وقع الحادث للمرة الثانية فى قرية «تطون» التى تبعد 200 كيلومتر جنوب منطقة طبرق الليبية، والتى يوجد بها عدد كبير من القبائل تأتى فى مقدمتها قبيلة «أولاد على» التى تسيطر بشكل كامل وكبير على الحدود الغربية سواء من الجانب المصرى أو الليبى، ويتجاوز عددها 2 مليون نسمة، وتسكن فى مناطق متفرقة بين مصر وليبيا، حيث تسيطر سيطرة كاملة على المنطقة الحدودية والمناطق الجبلية التى يتم تهريب العمالة بطرق غير شرعية من خلالها، كما تسكن القبيلة فى عدد من الأماكن الحدودية المصرية وتتمركز بقوة فى منطقة سيدى برانى الحدودية ومنطقتى «فيشا – تلبانة» بالبحيرة وهما أهم مناطق لتجمع سماسرة الهجرة غير الشرعية.

ولم تكن قبيلة أولاد على مجرد مجموعة واحدة ولكنها تتكون من قسمين أولاد على الأحمر، وعلى رأسهم قبائل القنايشات، وأولاد على الأبيض، وعلى رأسهم قبائل العزائم، كما تضم «أولاد على» قبائل الهوارة والزنالكة والقواسم والعوامى وماضى والحمام والعاصم والسناجرة والأخشيبات والشراسات والحويتية والحنيش، وتنتشر تلك القبائل من سيدى برانى فى مطروح الواقعة قرب الحدود المصرية الغربية مع ليبيا، وتتجاوز أيضا تلك القبيلة الحدود لتنتشر فى الجانب الآخر من الناحية الليبية، لتصبح هى القبيلة الوحيدة الموجودة فى الجانبين المصرى والليبى.

وخرج البعض لاتهام قبيلة أولاد على بتورطها فى سفر هؤلاء الشباب إلى الخارج موضحين أن بعضهم يعمل سمسارا للهجرة غير الشرعية، خصوصا أن الأمر سهل بالنسبة إليهم باعتبارهم يعلمون المنطقة جيدا ولا يستطيع أحد الدخول والخروج إلا بأمر منهم.

وعلق على هذا الأمر أحمد ترامب أحد مشايخ قبيلة أولاد على بالسلوم، على أن شباب القبيلة لا علاقة لهم بما ينسب إليهم باشتراكهم فى الهجرة غير الشرعية، لأننا جميعا نعلم خطورة هذا الأمر، وفى حالة اتجاه البعض للمخالفة والخروج عن القبيلة والسير فى هذا الطريق غير القانونى فإنه يتم معاقبته من قبل شيوخ القبيلة بأشد عقوبة.

وبسؤاله عن معرفته ببعض هؤلاء الشباب الذين يعملون بالهجرة غير الشرعية، أجاب على استحياء بأنه كان هناك القليل ممن اتجهوا إلى هذا الطريق بحثا عن الأموال، ولكن العقاب الذى وقع عليهم يجعل الآخرين ممن يحاولون العمل فى هذا الأمر يفكر كثيرا، لينفى بذلك أحد شيوخ قبيلة أولاد على ما نسب إلى قبيلته من اتهامات حول عملهم سماسرة فى الهجرة غير الشرعية، مؤكدا أنه وبرغم أن قبيلته تعلم الطرق والمخارج بأكملها ومن السهل أن يساعد أحد أبناء القبيلة السماسرة ولكن التوعية التى يقوم بها المشايخ لأبناء القبيلة تجعلهم يحاولون عدم الاقتراب من هذا الطريق نهائيا.


- تفاصيل قتل الشباب فى الهجرة غير الشرعية لليبيا
لم يجدوا طريقا للعيش فى وطنهم فخرجوا بحثا عنه خارج حدوده، وهم على دراية قوية بأن تلك الرحلة من الممكن أن تكون ذهابا بلا عودة، ولكن اليأس جعلهم يرون الموت والحياة شيئا واحدا.

شباب ما زالوا فى بداية الطريق نظروا أمامهم ليجدوا أن هناك أحجارا تقف أمامهم فى طريق تحقيق حلمهم، وتيقنوا أنهم حتى لو ساروا فى هذا الطريق السليم فلن يصلوا مطلقا، فقرروا البحث عن آخر حتى لو كان غير شرعى، ومن الممكن أن يكون الهلاك والموت هو مصيرهم.

فبرغم إصدار الدولة لقانون الھجرة غیر الشرعیة، ووضع عقوبات على من یعمل فى ھذا المجال، فإن الظروف الاقتصادیة العصیبة وطموح الشباب، كانا دافعا قويا لتجاوز القوانين التى وضعتها الحكومة، فأحلامهم قد تحولت من العمل لتحقیق الثراء السریع إلى ملاقاة الموت، إما غرقا فى بحر مظلم، أو فى صحراء جرداء لا زرع بها ولا ماء، وفى النهاية فحتى جثامينهم لم تتمكن من أن تنال الراحة ودفنت بعيدة عن أحبائها.

ولأن البعض لا يعلم مدى خطورة ما يتوجهون إليه قمنا بعمل هذا التحقيق توصلنا من خلاله لبعض الشباب الذين حاولوا السفر خارج حدود الوطن، بطريقة غير شرعية وعاش فى كابوس لعدة اشهر عاد بعده إلى وطنه ليطرد فكرة الهجرة من عقله، ويفضل الموت فى بلاده بدلا من خارجها، أيضا لم نغفل عن أهالى الضحايا الذين تم العثور على جثثهم فى صحراء ليبيا ليقصوا علينا معاناة ذويهم ورحيلهم فجأة، ولأن الأمر ليس بالبسيط عرضنا بعض الطرق والأماكن المجهولة التى يستخدمها المهربون وعدم سيطرة قوات الأمن عليها، ونهاية فكان هناك رد قوى من أحد قيادات الجيش الوطنى الليبى حول مقتل الشباب المصريين.
ads
ads

من تتوقع أن يفوز برئاسة الأهلي؟

محمود الخطيب
78%
محمود طاهر
17%
شخص آخر
5%
ads
ads
ads
<