إيه المقابل !!

محمد سلطان

06:35 م

الخميس 05/أكتوبر/2017

 
- العطاء هو قيمة من أرقى القيم الإنسانية و أنبلها ولا يوجد أدنى شك إن العطاء بكافة أشكاله يعد إحدى أجمل أشكال التواصل بين البشر منذ بدء الخليقة و الله ذاته فطَّر أرواحنا على العطاء والمحبة المتبادلة ، لكن قبل الإستفاضة فى الحديث عن العطاء علينا أن نتوقف قليلاً أمام واحد من أكثر الأسئلة الوجودية إنتشاراً عبر الأزمنة المختلفة و هو .. ما هو مفهوم العطاء و هل يوجد عطاء مُطلق بلا مقابل أياً كان نوع هذا المقابل سواء كان مادى أو معنوى؟ فهذا السؤال الذى يبدو للوهلة الأولى بسيطاً يتصدر وبلا فخر قائمة لا بأس بها من الأسئلة المعقدة التى لا يعرف الإنسان أجوبتها النموذجية إلا بعد بلوغه مرحلة متقدمة جداً من النضج والتعقل ، مرحلة من التوافق العقلى لا يصلها الإنسان سوى بتراكم تجارب وخبرات حياتية كثيرة يكون أغلبها مؤلم للأسف و الأكثر تعقيداً هنا إن تلك الإجابة المنتظرة على هذا السؤال بالتحديد تتغير وتتحول مع تقدم أعمارنا كما تتبدل أوراق الشجر مع تغير الفصول ، فالبداية تكون مع الطفولة عندما تؤمن قلوبنا بالعطاء المُطلق المجرد من اى مصلحة لدرجة إن الأطفال تكون بحاجة فى سنواتهم الأولى للإنصات لتنبيهات الكبار بعدم الإنجراف وراء أى شخص قد يستغل طفولتهم لتحقيق مآرب لا تخطر أبدا على بال أطفال أبرياء كانت إجابتهم الفطرية هى إن الإنسان خُلق ليعطى ويكمل أخيه لا ليستغل عطائه لتحقيق أهدافه الخاصة أيا كانت!! ثم مع بداية البلوغ و المراهقة يحدث تعديل نسبى على الإجابة الطفولية الأولى الغير مناسبة للإنسان بعدما أدرك إن هناك اشياء حوله فى الحياة لابد و أن يكون لها مقابل ، لكن فى تلك المرحلة أيضاً تكون الإجابة بريئة نوعاً ما ، إجابة لا تخلو من العفوية والبساطة وعدم التقدير لقيمة المقابل الذى تقدمه بتساهل شديد روح لم تدرك بعد الحقيقة الكاملة للبشر من حولها ، وعليه فتلك المرحلة تعد أكثر المراحل العمرية التى يتباين فيها المقابل لنفس الشيء!! فلا أحد يعلم القيمة الحقيقية لما يقدمه أو حتى لما يأخذه ، فالكل يتخبط و الكل يبيع ويشترى كما لو كنا فى سوق شعبى لا ضوابط تحكمه ولا آليات تنظمه لدرجة إن الغالبية تقدم أغلى ما تملك من مشاعر و أوقات ثمينة مقابل أشياء لا تعادل قيمة ما تقدم أو حتى تقترب منه!! تأتينا لاحقاً المرحلة الثالثة التى تكون دائماً الأكثر آلماً لأنها تكون بعد التحقق و التأكد بأن كل شيء وله مقابل ، لكن رغم ذلك فالغالبية تسقط للأسف الشديد فى إختبار تحديد ماهية هذا المقابل!! تلك المرحلة أحب أن أطلق عليها مرحلة الغيبوبة فالإنسان بفعل عواطف جياشة متهورة قد يصدق بالخطأ إن المقابل المراد منه تحمله من الممكن أن يأتيه فى شكل منحة من ملاك لا يريد شيء من وراء عطائه هذا ، وهذه بالفعل غيبوبة عقلية لا يستفيق منها الإنسان سوى بعد دخوله المرحلة التى تليها مباشرة و هى مرحلة الصدمة التى تباغت أرواحنا و توقظنا من أحلامنا عندما تسقط الأقنعة ونعلم إن ما قدمه البعض لنا كان ثمناً لأشياء اخرى خفية .. كانت هى للأسف الثمن الحقيقى لما تلقيناه!! اخيراً مرحلة اليقين التام وهى تلك التى نقترب فيها من الإجابة الفعلية عندما لا ندرك فقط إن كل شيء وله مقابل .. لكن هى عندما نتفق مع الآخرين ونتصالح مع أنفسنا على قيمة هذا المقابل !! - كل شيء لابد و ان يكون أمامه شيء و هذا ليس بعيب او بخطأ فالله خلقنا فى إحتياج دائم لبعض ، خلقنا لنُكمل نواقص بعض ، خلقنا لنُتمم احلام بعض ولكنه خلقنا أيضاً بقلوب رحيمة حتى نرأف بحال بعض ، حتى لا نخدع بعض والأهم حتى نكون شرفاء لا ندعى الملائكية والعطاء بلا مقابل بينما نحن لا نتوانى عن تحصيل أضعاف أضعاف ما نستحق بل أحياناً ما نقتل ضمائرنا و نخطو بفجور على طريق العطاء الزائف حينما نعطى الشخص لا حباً فيه ولا فى مساعدته بقدر ما نُحب ذواتنا التى تعشق النرجسية و تكبيل الآخرين بسلاسل عطائنا المجروح!!
ads
ads
ads

من تتوقع أن يفوز برئاسة الأهلي؟

محمود الخطيب
78%
محمود طاهر
17%
شخص آخر
5%
ads
ads
ads
<