كذبة تشويه الأزهر.. المشيخة تناقض نفسها بتأكيد الفتاوى الشاذة

أحمد غريب

07:53 م

الإثنين 09/أكتوبر/2017

بلدنا اليوم
 
15 عامًا لم يلتق "محمد" صديق الطفولة "إبراهيم"، بعد أن فرقهما الزمن بحكم الدراسة كون كل منهما سلك طريقًا غير الآخر، الأول أكمل تعليمه فى جامعة الأزهر والتحق بكلية الشريعة والقانون، وحصل على ليسانس شريعة، أما الثانى فواصل تعليمه فى الدراسات العليا بكلية التجارة بعدما حصل على درجة البكالوريوس فى المحاسبة.

صديقا الطفولة ما إن تقابلا بعد تلك الفترة التى ليست بالضئيلة، بدآ فى تذكر أيام الصبى وراحا يقصان على بعضهما بعضًا من الذكريات التى كانت بينهما، ويتبادلان الضحكات، حتى وصل بهما الحديث إلى ما يدور فى الوطن من أحداث، فشغف "إبراهيم" سؤال صديقه "محمد" عما يشهد الأزهر الشريف فى الفترة الأخيرة، وحقيقة الفتاوى التى خرجت من بعض علماء المؤسسة العريقة ووصفت بـ"الشاذة"، فى حين أنها موجودة فى كتب التراث، حسبما ذكر أهل الفتوى، ومنتقدين تلك الفتاوى أيضًا.

ضجر محمد من سؤال صديقه، وبدت عليه علامات الغضب، ما أدهش "إبراهيم" عما جعل صديقه الأزهرى يصل إلى تلك الدرجة من الحزن التى لم يشهدها عليه من قبل، وسأله: "ماذا بك يا صديقى.. هل أصابك مكروه مما حدث؟"، إلا أنه فوجئ بصديقه يرد عليه: "كيف لك أن تتحدث عن الأزهر بهذا الشكل؟، هل صدقت الشائعات التى يروجها أصحاب الكارهين؟ ألا تعلم أن هناك حملة ممنهجة لتشويه المؤسسة، أم أنك تبعتهم فى الحديث؟".

لملم "محمد" أغراضه وقرر الرحيل من حيث أتى، رغم أنه كان ينتوى أن يمكث لفترة مع صديقه الذى لم يلتقه منذ زمن، "إبراهيم" يترقب ما يفعله صديق الطفولة، وهو فى ريبة من أمره أن يحدث كل ذلك لمجرد أنه يستفسر عما يدور فى أذهان الجميع وليس هو وحده، فى ظل ما يخرج من فتاوى وتصرفات، شغلت الرأى العام بأكمله.

ما حدث بين "إبراهيم" وصديقه "محمد"، ليس مجرد حالة فردية، فالأمر يكاد يكون قاعدة عامة، أنه الأزهر هو "المحراب المقدس"، الذى لا يجوز لأحد الحديث عنه أو أن ينتقد ما يخرج عن أهله من تصرفات وفتاوى يؤكدون أنها من نصوص كتب التراث، ومن يهاجم أهل تلك الفتاوى لا ينكر هو الآخر أنها مذكورة فى نصوص الثراث، ولكنها "شاذة"، على حد قوله.

الأفعال وردود الفعل من داخل المؤسسة العريقة، التى يصف أهلها دائمًا أن حملات ممنهجة ضد الأزهر الغرض منها التشويه والانتقاص من دور المؤسسة الدينية الأولى فى العالم، ما أحدث حالة من الجدل لدى الكثيرين "هل هناك تشويه يمارس ضد الأزهر بالفعل؟ وأن الفتاوى التى تخرج من أهله جزء من الحملة التى تمارس ضده؟ كيف ذلك وهم من أبناء المؤسسة؟ أم أنهم تآمروا عليها؟ وماذا عن النصوص الموجودة فى كتب التراث تؤكد الفتاوى التى قيل عنها إنها شاذة؟".

حملة تشويه

"على أصحاب الأجندات الخاصة الكف عن التشويه المتعمد للأزهر وجامعته وطلابه، والابتعاد عما يحدث انقسامًا ويشكك فى مرجعية المؤسسة العريقة"، هذا ما طالب به الدكتور محمد المحرصاوى، رئيس جامعة الأزهر.

والمعروف أن من يقود حملة ضد تشويه شخص أو مؤسسة يكون من عدو أو خرج من المكان الذى يود أن يظهره بصورة غير سوية، فى حين أننا نسمع دائمًا عن حملة تشويه الأزهر، وحينما بحثنا عن المتهمين بذلك وجدنا أنهم أبناء المؤسسة أنفسهم، ما يثير الدهشة أن المؤسسة الدينية الأولى فى العالم تتهم أبناءها بقيادة حملات مغرضة ضدها، أمثال الدكتور صبدرى عبد الرؤوف، والدكتورة سعاد صالح، والدكتور أحمد كريمة، والدكتور سعد الدين الهلالى، وغيرهم، ما يفتح علامات الشك والريبة أمام الجميع، بأن حملات التشوية "كذبة" لا أساس لها، لأن الحديث الخارج من داخل البيت وبالأدلة المثبته نصًا.

فتاوى التشويه
البحث حول حقيقة الفتاوى "الشاذة"، التى يطلقها علماء الأزهر، نجد أنها موجودة بالفعل فى كتب التراث، وأنهم لم يأتوا بشىء من عندهم، إنما استندوا إلى نصوص ثابتة بشهادة الجميع، الدكتور سعاد صالح، صاحبة فتوى "جواز نكاح البهائم"، أكدت أنها لم تأت بشىء من عندها، وأن كل ما قالته موجود فى كتب الفقه، وفيها ما هو أكثر من ذلك، من الفتاوى التى يقال عنها "شاذة"، وأنها درست ذلك وهى طالبة، فقد كان هناك باب اسمه "أحكام الوطء"، درست فيه حكم "الوطء فى الدبر، والوطء أثناء الحيض، والبهائم والميتة وفروع أخرى كثيرة"، وأنها تتمنى أن يتم تنقية التراث من ذلك.

أما فى فتوى الدكتور صبرى عبد الرؤوف، بـ"جواز جماع الزوجة الميتة"، لم يأت أستاذ الفقه المقارن، بشىء من عنده، بل تلك فتوى قديمة وتحدث فيها بعض الفقهاء، ولم يأت من الشارع نص بوجوب الحد على فاعله اكتفاء بأنه أمر تبغضه النفوس وتنفر منه. فقد قال ابن قدامة فى المغنى 9/55 عن وطء الميتة: ولأنها لا يشتهى مثلها وتعافه النفس فلا حاجة إلى شرع للزجر عنها، والحد إنما وجب زجرًا.

ونص الفقهاء رحمهم الله على حرمة وطء الميتة سواء كانت زوجة أو أجنبية، قال فى الإنصاف 8/ 309: وقال القاضى فى جواب مسألة: ووطء الميتة محرم، وقال عليش فى منح الجليل 9/ 247: فلا يحد إن وطئ زوجته أو أمته بعد موتها وإن حرم، نعم يؤدب.
كما أن الذى أتى هذا العمل المحرم عليه أمور "أن يغتسل غسل الجنابة، قال الإمام أبو إسحاق الشيرازى رحمه الله، وإن أولج فى فرج ميتة وجب عليه الغسل لأنه فرج آدمية فأشبه فرج الحية". انظر المجموع 2/155".

وعما إذا كان "يلزم إعادة غسل الميتة إن كانت غسلت؟"، ذكر الإمام النووى فيه وجهان مشهوران أصحهما لا يجب لعدم التكليف، وإنما يجب غسل الميت تنظيفًا وإكرامًا. انتهى. المجموع، ويلزم صاحب تلك الفعلة أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يكثر من الاستغفار.
هذا ما يدل أن ما قاله الدكتور صبرى موجود بالفعل فى كتب التراث التى يتم تدريسها فى الأزهر.

الأزهر يؤكد صدق فتاوى التشويه

رغم الهجوم الكبير من مؤسسة الأزهر على العلماء الذين خرجوا بالفتاوى "الشاذة" من "جواز جماع الزوجة الميتة، وجواز نكاح البهائم"، وغيرها، والمطالبة بعلاج أصحاب تلك الفتاوى نفسيًا، إلا أن هناك تناقضا كبيرا بين ما يطالب به وما أكدت المؤسسة الدينية بأن تلك الفتاوى موجودة فى كتب التراث، فرد الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، أن بعض تلك المسائل وردت فى كتب التراث على سبيل التمثل أو الافتراض، على حد قوله.

وأشار "الطيب" إلى أن تلك الفتاوى موجودة ولكن لا تتناسب مع طبيعة العصر الذى نعيش فيه الآن، وأنه لا يصح الترويج للأقوال الضعيفة والشاذة والمرجوحة، المبثوثة فى كتب التراث، وطرْحها على الجمهور، فهذا منهجٌ يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة.

الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أكد أن الفتاوى التى خرج بها زملاؤه فى الجامعة من "جواز نكاح البهائم، وجواز جماع الزوجة الميتة"، موجودة بالفعل فى كتب التراث، وأن ما يؤخذ عليهم هو أنهم استندوا إلى التراث مرجعية لفتواهم دون وجود "آية محكمة أو حديث نبوى"، وأنهم اعتمدوا على الأقوال البشرية للعلماء، على حد قوله.

هل التبرؤ هو الحل
دائمًا ما تلجأ هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إلى التبرؤ من أى أستاذ بالجامعة يأتى بفتوى تثير بلبلة فى الشارع، حتى وإن كانت صحيحة ومذكورة فى المناهج وكتب الفقه، "الدكتور سعد الدين الهلالى، والدكتور أحمد كريمة، والدكتور عزت عطية، والدكتور سعاد صالح، والدكتور صبرى عبد الرؤوف"، أبرز من سارع الأزهر بالتبرؤ منهم، معلنًا أنه المؤسسة الدينية تتبرأ من فتاواهم، دون أن تكلف هيئة كبار العلماء نفسها بالبحث حول الفتاوى التى تخرج من هؤلاء الأساتذة بل وتؤكد ذكرها فى كتب التراث، وهو ما يظهر تناقضا كبيرا، ويجعل الجميع يتساءل "هل التبرؤ من أصحاب تلك الفتاوى هو الحل؟"، أم أنه لا بد من البحث عن تلك النصوص وتجديدها بما يتواكب مع العصر الذى نعيشه، بدلًا من تصدير الصورة دائمًا بأن هناك حملة تشويه تمارس ضد الأزهر، فى حين أن الواقع خلاف ذلك تمامًا وأن تلك الفتاوى تخرج من داخل المؤسسة نفسها.

الحجر على أصحاب الفتاوى أم الإصلاح؟
هل "الحجر" على أصحاب الفتاوى الشاذة هو الحل للأزمة التى يواجهها الأزهر حاليًا، وفقًا لما طالب به الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وأن الدستور والقانون منح الحق لهيئة كبار العلماء الاختصاصَ بالبَتّ فى القضايا الشرعية، وفيما قد تختلف فيه دار الإفتاء مع مجمع البحوث من أحكام شرعية، وهذا موجود فى كل العالم الذى يحترم العلمَ والدين والفقه، ولا يعرض أحكامَ الدين كسلعة تعرض فى البرامج والسهرات التليفزيونية، أم أنه يجب البحث عن الإصلاح الحقيقى من تطوير لجان الفتوى بالمحافظات، والبحث عن حقيقة الفتاوى التى تخرج، ووضع ضوابط واضحة للفتوى، والمراجع التى يجب أن يتم الاستناد إليها فى حال الخروج بفتوى معينة، حتى يكون هناك أساس سليم مبنى على قواعد منضبطة، بدلًا من الانتظار دائمًا كرد فعل على ما يحدث أو يصدر من فتاوى.

الإعلام متهم
الإعلام دائمًا ما يكون هو الضحية الأولى لمؤسسة الأزهر الشريف، وفى مرمى الانتقاد، وأنه هو سبب تشويه صورة المؤسسة، فى حين أن من يدلى بالتصريحات أو الفتاوى التى توصف بـ"الشاذة" هم علماء فى الأزهر ويقدمون برامج دينية عبر الشاشات المختلفة، بما فيه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، إلا أنه ما أن يخرج أحد هؤلاء العلماء بفتوى تسبب جدلا وغضبا فى الشارع، نجد الهجوم على المؤسسات الإعلامية والصحفية، وأنها تتصيد من أجل تشويه صورة الأزهر.

واتهم أزهريون الصحف بنشر فتاوى "شاذة" فى الفترة الأخيرة, بهدف شحن الرأى العام ضد مؤسسة الأزهر الشريف, وإظهار المنتمين له بمظهر المهووسين جنسيًا, وأن المؤسسة لم تستطع تطوير الخطاب الدينى الخاص بها, لدرجة خروج أبناء المؤسسة والإفتاء فى عدد الأمور التى عفا عليها الزمن، فى حين أن يخرج بتلك الفتاوى هم أساتذة فى جامعة الأزهر، وما يفتون به مذكور بالفعل فى كتب التراث.

"بث الفتاوى الشاذة الغرض منه إثارة الجمهور على الأزهر"، هذا ما أشار إليه الدكتور أحمد خليفة شرقاوى, أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر, وأن عددا من الإعلاميين يودون إظهار المؤسسة فى صورة غير المتطورة أو الفاسدة, وأنها لم تستطع تعليم أبنائها أصول الدين والفقه, وفشلت فى تجديد خطابها الدينى, فى حين أن من خرجوا بتلك التصريحات أو الفتاوى هم أبناء مؤسسة الأزهر، ولم تكن هناك أية ضغوط عليهم حتى يصرحوا بذلك، ولكن دائمًا ما تصب المؤسسة الدينية الأولى فى العالم هجومها على الإعلام، للتهرب من الحقيقة.

العقاب حبر على ورق
أما إذا ما بحثنا عن القرارات أو العقوبات التى اتخذتها مؤسسة الأزهر، فى حق أصحاب الفتاوى الشاذة بعد أن أعلنت هيئة كبار العلماء إحالتهم للتحقيق، نجد أنها مجر "حبر على ورق"، كما أكد عدد كبير من الأزهريين، وأن جامعة الأزهر أعلنت عن التحقيق مع كل من الدكتور صبرى عبد الرؤوف، أستاذ الفقه المقارن صاحب فتوى "نكاح الموتى"، والدكتورة سعاد صالح، أستاذ الفقه المقارن، فى فتوى "نكاح البهائم"، ولكن لم تتخذ أية إجراءات معهما حتى الآن، ولم تحقق فى الفتاوى الشاذة الصادرة عنهما، وأنها ليست المرة الأولى التى يعلن فيها الأزهر التحقيق فى فتاوى غير منضبطة، دون أن يتخذ إجراءً بشأن أصحابها.

فيما أكدت الدكتورة سعاد صالح، أنها مندهشة من صدور قرار بإحالتها للتحقيق، والدكتور صبرى عبد الرؤوف، فى حين أنه لم يتم إعلامهما بشىء أو حتى توجد ترجمة فعلية لتلك القرارات على أرض الواقع.

وننتهى مما سبق إلى أن ما يشاع عن تشويه الأزهر الشريف "كذبة"، وأن الواقع يؤكد خلاف ذلك تمامًا، لأن ما خرج من فتاوى رأى الجميع أنها "شاذة"، صادرة عن أبناء المؤسسة الدينية الأولى فى العالم، كما أنهم لم يأتوا بأشياء من عندهم، ولكن ما ذكروه موجود بالفعل فى كتب التراث، واعترفت به مؤسسة الأزهر نفسها قبل الجميع.

لذا يجب على هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن تعيد النظر فى قراراتها، وألا تكون الصورة التى يتم تصديرها للجمهور دائمًا أن هناك حملة لتشوية المؤسسة، فى حين أنه لا أحد يقبل من خارج المؤسسة قبل أبنائها أن "تمس"، ولكن حينما يكون الحديث الخارج ويوصف على أنه حملة تشويه من أبناء الأزهر أنفسهم، إذا لا بد من البحث فى الأمر بدلا من تصدير فزاعة التشويه، واللعب على عواطف المنتمين للمؤسسة أن هناك مؤامرة تحاك ضدهم.

كما أنه على مؤسسة الأزهر أن تترفع عن الزج بالإعلاميين والصحفيين فى أمور تتعلق بمناهج وكتب التراث التى تعترف هيئة كبار العلماء نفسها بوجودها، كما أن أساتذة الجامعة هم من يدلون بتلك الفتاوى، أى أنه لا علاقة للصحفيين أو الإعلاميين بإثارة الفتن من قريب أو بعيد، والمؤسسات الصحفية أو الإعلامية التى توجه لها التهم هى أيضًا غير مسؤولة عن الأمر بل تنشر ما يخرج عن أبناء المؤسسة الدينية الأولى فى العالم، فالأحرى البحث عن المشكلة الأساسية وإيجاد حلول لها بدلًا من الزج بجهات أخرى فى دوائر الاتهام وتصويرهم للشارع على أنهم أعداء ويهدفون لزعزعة هيبة واستقرار الأزهر الشريف، والنيل من مكانته، مع العلم أنه لن يقبل أحد بذلك.
ads
ads

من تتوقع أن يفوز برئاسة الأهلي؟

محمود الخطيب
78%
محمود طاهر
17%
شخص آخر
5%
ads
ads
ads
<