أيها الإمام لسنا فى قريش..«فقه الواقع بين التجديد والتبديد»

محمود على

02:48 م

الأربعاء 11/أكتوبر/2017

بلدنا اليوم
 
لم تكن فتاوى نكاح البهائم، ومعاشرة الزوجة الميتة، ومن قبلها إرضاع الكبير وما أحدثتها من حالة من اللغط والسخرية داخل المجتمع المصرى نظرا لقيمة من يطلق تلك الفتاوى من المحسوبين على المؤسسة الدينية الرسمية، خاصة أن منهم عضوا فى مجمع البحوث الإسلامية، لم تكن سوى جرس إنذار لعلماء وأئمة مؤسسة الأزهر، ويعد هذا الطرح أشبه بمن يطرق باب قلعة لم تفتح منذ ألف عام.

ويفتح أيضا الباب لطرح العديد من التساؤلات ومنها هل كل ما يُعلم يقال، وكل ما كان يصلح قوله فى مكة والمدينة منذ ألف وأربعمائة عام من مصطلحات وألفاظ وجهت لأهل قريش من وقائع مرتبطة وفق تفسير العلماء بالمكان والزمان يوجه الآن إلى شباب يعتنق خطاب مواقع التواصل الاجتماعى فى القرن الحادى والعشرين، فهل لم تصل رسالة المجتمع إلى الأئمة على المنابر والعلماء الأفاضل، ألم يدرك البعض منهم قيمة الوقت وتميز الواقع، هل يظن البعض منهم أن من يطالب بالتجديد يطالب بتغير النصوص الدينية، ألم يكن الأمر أوضح حالا مثل الآن، فى ظل رغبة قوية من عامة الناس بتغيير لغة الخطاب التى يتناولها الخطباء والعلماء وبعض من يحسب كونه فقيها فى الدين، فالجميع ينظر إلى ما يطرح، هل يرتبط بالواقع، وتحول الأمر الى نداء «أيها الإمام لسنا فى قريش».

ويظن البعض أن هذه الكلمات توجه إلى فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، ولكن رسالة توجه إلى كل إمام وخطيب وصاحب رأى شرعى يعرضه على المواطنين من العامة والمثقفين والشباب، ويصبح الأمر أشبه بخطاب باللغة الإنجليزية لمن يتحدث بالعربية.

فقه الواقع وعلماء السلفية

يعد معرفة ما يدور فى المجتمع وأهم قضايا العصر ولغته شرط أساسى أعده العلماء وأطلقوا عليه فقه الواقع ليصعد الإمام على المنبر ويرجع إليه الناس فى أمور دنياهم.

وعرف العلماء «فقه الواقع» أنه معرفة واقع المستفتى من وضعه الحالى والمستوى الاجتماعى والتعليمى، وضرب العلماء مثلا فى بعض كتب الفقه «فلا يُفتى فى مسائل الجهاد لبلد حتى يكون عند المفتى تصور لحال تلك البلد، كما لا يفتى فى مسائل تتعلق بالكمبيوتر، والإنترنت، حتى يكون على علم بواقع تلك الأشياء، وما يحدث فيها».

وأن المفتى يحتاج إلى فقه بالكتاب والسنَّة والإجماع، وإلى فقه بواقع الناس، والحال، والزمان، والمكان، وإلا كانت فتواه لا تفى بالحاجة، أو لا يمكن تطبيقها؛ لبعدها عن الواقع الذى يجهله ذلك المفتى.

وقال الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء، وعضو فى المجمع الفقهى بمكة المكرمة وعضو فى لجنة الإشراف على الدعاة فى الحج بالمملكة العر بية السعودية إن الاشتغال بواقع العصر أو «فقه الواقع» واجب ولكنه يأتى بعد الفقه الشرعى، إذ الإنسان بالفقه الشرعى ينظر إلى واقع الناس، وما يدور فى العالم، وما يأتى من أفكار، ومن آراء، ويعرضها على العلم الشرعى الصحيح، ليميز خيرها من شرِّها. 

المجدد والمبدد 

المجدد والمبدد كان عنوانا لأحد مقالات وكيل الأزهر الدكتور عباس شومان، تحدث فيه عن الخلاف الدائر بين من يدعى أنه من المجددين، ويرى شومان أن البعض منهم من المبددين، وهذا يعد ليس برأى شخصى شمل اتهامات لبعض من المنادين بالتطوير، وهو الطلب المقدم من بعض الباحثين لمؤسسة الأزهر لتطوير المصطلحات والفتاوى التى تلقى للمواطنين، وبالرغم من كون الأزهر المؤسسة الدينية الأكبر فى العالم الإسلامى وهى صاحبة الرأى الأول والأخير فى كيفية التطوير، فإن الطلب قوبل بالهجوم والاتهامات من قبل وكيل الأزهر، ولم يعلن هل من باب العلم والاجتهاد يبحث فيما ينطق به المبددون لتوضيحه للبسطاء ودحض حتى أفكار الجهلاء كما اتهمهم شومان فى مقاله المنشور فى أحد المواقع الإلكترونية. 

كان رأى شومان وهو من علماء المؤسسة الدينية الأقدم عالميا والمشهود لهم بالعلم والقيادة وصدر له منذ أيام قليلة قرار جمهورى بالتجديد وكيلا للأزهر الشريف، أن الحديث عن التجديد يطرب بعض الناس بوصفه بالمجدد من قبل أبواق تسلك مسالك الشذوذ الفكرى، وتنطلق من هوى النفس دون التقيد بضوابط الشرع التى عفا عليها الدهر فى زعمهم، فنرى هؤلاء ينطلقون انطلاقة الخيل الجامح باحثين عن فرقعة جديدة، تجعل هذه الأبواق تسبح بحمدهم وتمجدهم عبر برامج «التوك شو» وصفحات التواصل الاجتماعى، وينقسم المجتمع تبعًا لذلك إلى قسمين أحدهما ينتمى إليه المنفلتون المتبعون للشهوات الباحثون عن التخلص من القيود الشرعية فى زعمهم، والثانى يضم الغاضبين على انتهاك الحرمات والمتأسفين على ما وصل إليه حال بعض المحسوبين على العلماء.

وختم «شومان» مقالته العنترية بأن ما ينتهجه بعض دعاة التجديد اليوم هو «تبديد وليس من التجديد» فى شىء، كأنهم يطالبون بتغيير نصوص القرآن، وأضاف شومان حتى لا يُتخذ التجديد الذى هو ضرورة لمواكبة مستجدات العصور وتلبية احتياجات الناس، مطية لتبديد أحكام شريعة الإسلام وإفراغها من محتواها، فإنه يلزم أن ينطلق السائرون فى هذا الدرب من قواعد ومعايير علمية مستقرة بين العلماء، ولا يطلق هؤلاء العنان لعقولهم لتسرح وتمرح فى الشريعة وأحكامها دون ضابط ولا رابط، لأنهم لو فعلوا لسوغت لهم عقولهم الفواحش والمنكرات، ولن يجدوا حرجًا فى استحلال الزنى مثلًا بدعوى اللذة وسعادة الطرفين، خاصة مع التراضى، واستحلال الربا بحجة فك كرب المقترض، وهو رأى ينم على أن ليس للأزهر أى نية لتغيير المفردات فى الخطاب الدينى والتحدث فيما يهم المواطنين وليس فى الفتاوى التى يعتبرها الأزهريون وأبناء المؤسسة الدينية أنفسهم شاذة.
ads
ads

من تتوقع أن يفوز برئاسة الأهلي؟

محمود الخطيب
78%
محمود طاهر
17%
شخص آخر
5%
ads
ads
ads
<