وليد الغمرى يكتب: حكايات من دفتر أحوال الرئيس

04:17 م

الإثنين 30/أكتوبر/2017

بلدنا اليوم
 

كشف غباء أوباما ولاعب الشرق بالغرب ووجع تل أبيب

استطاع تحويل الصراع السياسى إلى اقتصادى وجمع شمل شعبه فى ضربة واحدة

قام بتأديب قطر وأجرى أول مصالحة فلسطينية فى التاريخ

 

أقولها للمرة الثانية.. إن الكتابة عن الرئيس فى مصر هى أمرٌ جللٌ.. ففى بلادنا مدح الرئيس «نفاقٌ»، ومعارضته «تخوينٌ»، وليس فى عقل الناس فى بلدى غير هذين التصنيفين.. ولذلك يتجنب الكثيرون من الكتَّاب أن تقترب أسنة أقلامهم من القصر الرئاسى فى مصر..

الغريبُ، أننا دومًا ما ندعم نظرية الرئيس «الفرعون»، تحت نظرية باطلة، ترى فى أن شعبًا من الفراعنة، لن يصلح معهم غير «فرعون» على قدر «فرعنة» شعبه.. وفى المقابل يعشق الناس فى بلادنا «السلطة الأبوية» للحاكم.. وفى كل الأحوال يرفض الجميع التعامل مع شخص الرئيس، من حيث كونه بشرًا.. يخطئ ويصيب.. رغم أننا ننتمى إلى الأمة التى ترى أجرًا للمخطئ، وأجرين للمصيب..

على أية حال، وبمنتهى الصراحة والوضوح.. لدىّ تحفظات لا تنتهى على الحياة السياسية فى أربع سنوات من حكم الرئيس.. ولدىّ تحفظات أيضًا كبيرة على الطريقة، التى تدار بها البلاد اقتصاديًا.. لكنى أيضًا أملك من القناعة حد اليقين، أن هذا الرجل لا يوجد غيره يصلح لأن يجلس على عرش مصر الآن.. لأنه وبمنتهى البساطة «رئيس عبقرى»..

وأستأذنك يا قارئى العزيز قبل أن تضعنى فى قوائم التصنيف السوداء.. وقبل أن تتهمنى بنفاق الحاكم، أن تقرأ تلك السطور، ثم لك الحكم فيما تقرأ..

فى البداية، يحضرنى موضوع صحفى نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية فى عام 2013، تحت عنوان «عبقرية السيسى كشفت تصرفات أوباما الصبيانية»،

قالت الصحيفة وقتها، إن الفريق أول عبد الفتاح السيسى عاد فى ثوب عبد الناصر، وإذلال أوباما وحرمانه من أى مكاسب داخلية على الأرض الأمريكية.

حيث إن متداولى الأسهم فى البورصات العالمية، أصبحوا يدركون اليوم أكثر من أى وقت مضى، أنه قد أصبح فى مصر «ناصر جديد» يصر على إذلال أوباما.

وأضافت الصحيفة، أن عبد الفتاح السيسى يدرك أن الإدارة الأمريكية الحالية، باتت مكشوفة أمامه تمامًا، ولذا قرر أن يعمّق من خسارة أوباما بالضغط على أكثر ما يثير اهتمام المواطن الأمريكى، وهو الاقتصاد، فبينما كانت التوقعات تشير إلى مرحلة انتعاش تعززها حالة سوق العقارات والاحتياطى الفيدرالى، وتراجع النفقات العسكرية فى الشرق، قرر «ناصر الجديد» أن ينهى كل ذلك دون استخدام السلاح.. فقط -عبر الميكروفون الذى دعا فيه الشعب المصرى للنزول يوم الجمعة للميادين لتفويضه للقيام بعمليات أكثر قسوة ضد الإرهابيين، الذين يقصد بهم حكام مصر السابقين، الذين خلعهم قبل أيام، وهو ما يعنى أن هناك عمليات واسعة، ستدور ليس بعيدًا عن قناة السويس، وهو ما يعنى إحداث حالة واضحة من إرباك سوق البترول، وتكبيد الولايات المتحدة الكثير من الخسائر خلال أيام قليلة.

وأشارت الصحيفة، إلى أن ما خسرته أمريكا صبيحة خطاب السيسى وبسبب تصريحاته ودعوته يفوق حجم المعونة العسكرية الأمريكية، التى تقدمها لمصر ببضعة ملايين من الدولارات، لكن رد الفعل من أوباما جاء صبيانيًا بامتياز، حيث أوقف تسليم صفقة طائرات «إف 16»، بصورة عقابية لم يؤيده فيها الكونجرس، الذى يتململ من تصرفات أوباما الأخيرة، التى كان من ضمنها إصرار أوباما على إبقاء برامج التجسس على الأمريكان.

أوباما، الذى تصرف بصبيانية كاملة فيما يخص صفقة الطائرات، تسرع بإعلان ذلك قبل أن يستشير أحدًا فى البنتاجون ومصنعى الطائرات فى أمريكا، لكن تقريرًا تم إمداد أوباما به بعد قراره جعله يدرك أنه يحارب معركة خاسرة، فالمصريون يتجهون فعليًا نحو الشرق، وتحديدًا نحو روسيا، للحصول على السلاح، ولم يكن ينقص الجنرال السيسى سوى أن يجعل الأمريكان يظهرون بهذا المظهر الهيستيرى ليزيد فرص حصوله على المزيد من التنازلات الروسية، فيما يخص أسعار الطائرات البديلة، وصفقات القمح، وهو ما يعنى أنه بدوره يمارس دورًا يراه بدقة لتكبيد الاقتصاد الأمريكى خسائر تفوق حجم المعونة العسكرية، بينما هو يتجاهل أى اتصالات من الإدارة الأمريكية.

هذا الموضوع الذى لم أتدخل فى سطوره كما نشرته الـ«وول ستريت» تحدث عن الطريقة، التى تعامل بها الجنرال مع المأزق، الذى عاشته مصر فى لحظة تاريخية، كان وقتها يشغل منصب وزير دفاع بلاده..

وفى ظنى أن أكثر ما فتح الباب على مصراعيه لرؤيتى لعبقرية هذا الرجل كان إطلاق مشروع قناة السويس الجديدة.. وأستميحك صبرًا يا عزيزى القارئ أن يتسع صدرك لسرد هذه الرؤية..

أولًا وبغض النظر عن كون قناة السويس الجديدة كانت قناة أو تفريعة أو حتى ترعة.. وبغض النظر أيضًا عن كون دراسات المشروع كلها كانت معدة منذ زمن أو تم إعدادها فى عهد الرئيس السيسى.. لكن الظرف التاريخى لانطلاق المشروع وقتها كان يحمل مشهدًا عبثيًا لشعب يقف بين فريقين.. وكان لا يزال يحاول الهرب من حرب أهلية محتملة، يخوضها التيار المتأسلم.. وبين عشية وضحاها خرج الرئيس ليصنع حلمًا قوميًا جديدًا، يلتف حوله المصريون عن بكرة أبيهم.. وبدا الحلم القومى منذ لحظة التكليف، الذى بدأت بالعبارة الشهيرة للواء كامل الوزير رئيس الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة، وهو يقول للرئيس «تنفذ يا افندم» بعد الأمر بالتنفيذ فى عام واحد، لمشروع يفترض عمليًا أن يتم فى ثلاث سنوات.. واختيار قوات الشعب المسلحة وليس وزارات الحكومة بالتنفيذ.. كان له دلالته الخاصة..

ثم تجييش الشعب المصرى بكل فئاته وطبقاته للالتفاف حول المشروع.. حتى إنه تم تمويل المشروع بكامله من أموال المصريين.. ثم مشهد الاحتفال الأسطورى، الذى منح للعالم بأسره عشرات الرسائل الضمنية.. ليتحقق الهدف الأول، وهو رأب الصدع الشعبى، الذى فعله التيار المتأسلم مع أسوأ دعاية قدمتها يد الخيانة لهذا الوطن..

حتى الآن، ليس فى الأمر غير ذكاء رئاسى، ربما يتوفر لعشرات الرؤساء حول العالم.. ولكن تجلت عبقرية الرجل فى نفس المساحة وعلى شط قناة السويس، بكل ما تحمله من رمزية وعمق فى وجدان الشعب المصرى.. بعد أن قام بتحويلها إلى مشروع صناعات ومناطق استثمارية ولوجيستية على ضفاف القناة.. هذا المشروع وبعيدًا عن عشرات الحسابات الاقتصادية.. لكنه استطاع تحويل بوصلة الصراع على «كعكة» تقسيم مصر إلى صراع على «كعكة» الاستثمار فى مصر.. وتحويل الصراع السياسى على الهوية بكل الأطراف الغربية، التى تقف خلفه بالتآمر.. إلى صراع اقتصادى لتأتى كل هذه الأطراف لكى تبحث لنفسها عن مكان لاستثماراتها تحت شمس مصر.. التى تحولت فى 12 شهرًا فقط إلى البوابة الرسمية للقارة الإفريقية.. وعلى من يريد أن يدخل بتجارته أو استثماراته إلى الأرض السمراء، فعليه أولًا أن يمر من بوابة محور قناة السويس.. مرور الجبر لا مرور الاختيار..

وبينما يحارب الجيش المصرى فى سيناء وفى ليبيا وفى اليمن.. نفس هذا الجيش يبنى محور قناة السويس.. ويطوف الرئيس وخارجيته كل بقاع القارة السمراء، ليعلن عن ميلاد جديد للدولة المصرية..

وأتفهم بالطبع الصراع، الذى دار وما زال يدور، حول مشروع محور قناة السويس.. فلقد استطاع عبد الفتاح السيسى أن يصنع مواجهة جديدة بين الشرق والغرب، وصراع تدخل فيه روسيا والصين واليابان طرفًا فى مواجهة أوروبا وأمريكا كطرف آخر.. على «كعكة» اقتصادية أصبحت بمنتهى الهدوء هى البوابة الرسمية للقارة الإفريقية.. ليعلن الرئيس بمنتهى الهدوء انتهاء الصراع السياسى وتحوله لصراع اقتصادى..

لقد استطاع عبد الفتاح السيسى.. وأقول هنا السيسى منفردًا، لأننا فى دولة مركزية والقرار دومًا فى يد الرئيس.. على الرغم من علمى بكفاءة اللاعب المصرى داخل كل الأجهزة، التى استعان بها الرئيس.. لكنه استطاع أن يغير بمنتهى الهدوء والابتسامة كل المعادلات، التى كانت قد أعدت للشرق الأوسط، وهو يركب دراجته صباحًا مع طلبة الكلية الحربية؟!

نعم، ما زالت الحرب دائرة.. وما زال الوطن يفقد كل يوم شهداء.. لكنه استطاع تحويل بوصلة المؤامرة من التآمر على تقسيم مصر.. إلى مؤامرة إنهاك مصر وعرقلتها عن النمو، الذى يراه العالم، وإن لم يظهر أثره فعليا على الأرض حتى الآن؟!

وفى نفس التوقيت، الذى تدور فيه المعارك.. ويتم استهداف مجمل الحدود المصرية المتاحة للعدو.. تخرج علينا الدولة المصرية، لتعلن عن إتمامها لأول مصالحة فعلية فى التاريخ على الأراضى الفلسطينية.. وهى معركة أخرى دارت بمنتهى الهدوء والذكاء، لتنهى أسطورة قطاع غزة وحكامه إلى الأبد.. ولتبدأ مرحلة جديدة من الصراع العربى الإسرائيلى، لكن تحت علم فلسطينى موحد.. وإن بقيت الفصائل كما هى؟!

قبلها ببضعة شهور قليلة كان اللاعب المصرى وتحت قيادة عبد الفتاح السيسى يخوض معركة أخرى، وهى معركة لو جاز تسميتها «تأديب وتهذيب وإصلاح» دويلة قطر.. وهو مخطط لو تعلمون عظيم.. فالقضية لم تكن صراعًا بين دويلة صغيرة ودولة كبرى مثل مصر.. لكن اللعب كان بين مصر، ومن يقفون إلى جانبها، وبين من يقفون خلف دويلة قطر.. مع صعود قيادة جديدة على رأس الإدارة الأمريكية.. لها حسابات مختلفة جدًا، عن تلك التى تحدثت عنها صحيفة «وول ستريت جورنال»، التى بدأنا بها هذه السطور.

وفى أقل من 40 شهرًا.. يمكن القول بمنتهى الوضوح إن مصر قد عادت مرة أخرى.. ولن يفهم عمق هذه العودة غير هؤلاء، الذين يعرفون حجم المؤامرة والمخطط الذى كان يستهدف هذا الوطن.. وحتى لو كانت عبارة النظر إلى سوريا واليمن وليبيا والعراق.. هى عبارة تم تلويث سمعتها عن عمد فى مصر.. فأنا ما زلت من المتمسكين بها.. فليس ما يحدث فى بلادنا العربية المنهارة كان ببعيد عن مصر.. لكنه أصبح الآن مع رجل اسمه عبد الفتاح السيسى.

  نقلا عن الإصدار الورقى*

<