مالك .. الحزين.. أنا اسمى مالك

غادة على

03:45 م

الثلاثاء 07/نوفمبر/2017

 
بإبتسامة بريئة وصوت طفولى عذب يميل الى صوت البنات ولكنه يتحسس طريقه الى التغيير الذى يطرأ على الصبيان عند البلوغ ، كان هذا ردا على سؤالى لذلك الطفل ذات العينين العسليتى والشعر الأشعث المائل للصفار ، ربما بسبب تعرضه الدائم للشمس او انه وراثة من احد الوالدين ، يرتدى تيشرت برتقاليا مطبوعا عليه رسومات تتوارى وراء بقع صلصة الكشرى ولبن البليلة . رأيت هذا المالك والذى لفت إنتباهى من بين مجموعة أطفال متباينة الاعمار ، والطول وايضا الهيئة وطريقة الكلام والتعامل ، وهذا ماأدهشنى حقا ، فقد كانت فكرتى عن ( اطفال الشوارع ) واعتذر عن هذا المسمى الذى لا اطيقه ولا اقبله على هؤلاء الضحايا ، كنت اراهم واسمع عنهم كأنهم طائفة واحدة ، فصيل معبر عن ذاته من خلال تطابق هيئته وطريقة تعامله مع الناس فى الإشارات وتحت الكبارى وحتى فى دور رعايتهم، ولكن وبعد مااخذت اراقبهم وأمعنت النظر بل واخذنى فضولى الى التحدث مع البعض منهم ، فقد ايقنت انهم فئات متباينة فى كل شئ ، ربما ( شرائح) أدق تعبيرا . فهذا المالك والذى اخذتنى ابتسامته التى لم تفارق عينه قبل شفتيه ، رأيته مختلفاً، اسلوب كلامه لاينم عن نشأته او تواجده الدائم فى الشارع ، فكان مثلا ينعتنى ب ( طنط). أثار فضولى فركنت سيارتى ونزلت لأتحدث اليه . إستأذنته فى الذهاب سويا الى محل عصير القصب الواقع على الجهة المقابلة للشارع ، فرح مالك وقال لى ( حاسبى وانتِ بتعدى العربيات مابترحمش) نظرت له فإذا بى اجد رجلاً يخاف على أمه او امرأته فكنت انا اكثر فرحاً منه ، ولكن كلمته مابترحمش اصابتنى وكأنه قذفنى بحجر . مَن الذى لا يرحم يابنى ؟ السيارات أم سائقيها؟ الاب والام ؟ أم المجتمع أجمع ؟ الزمن ؟ أم الفقر والحوجة ؟ ترى مَن جنى على هذة الرجولة المبكرة والذكاء اللامع المنبعث من تلك العينين والذى اذا إستثمر لصار لفرد هام فى هذا المجتمع الوقح الذى لم يكترث يوما بهؤلاء الضحايا . هذة البراءة المغتالة من قبل دولة ، أنظمة ، ربما من احتواء مجتمعى كامل . ذهبت ورجلى الصغير الى محل العصير وشرب وشربت معه وكان القصب بمثابة العيش والملح بيننا ، حاسبت بائع العصير واتجهنا الى مقعد لإنتظار الاتوبيس ولكنه غير مزدحم نوعا ما. وبدأ مالك يحكى لى وكأنه رأنى الملاذ لكلماته التى افتقرت لاى مستمع ، فثار يسرد ويسرد متعجلاً وكأنه يخشى قصر الوقت او تعجلى فى إنهاء لقائنا. لم يدرك مالك مدى استمتاعى بالجلوس بجانبه وسماع صوته ولغته وتعابيره ، بدأ مالك كلامه بجملة أدهشتنى . ( تعرفى ياطنط انا شاركت فى ثورة يناير ،وكنت ببات فى التحرير مع الناس وكانوا بيأكلونى معاهم وصاحبونى كمان) . استولى مالك على جميع حواسى بهذة الجملة ، فمالك ليس ممثلاً لقطاع صغير ، بل كبير فيبلغ عددهم تقريبا ٢ مليون طفل ، وقد اعترف مركز معلومات دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء بعدم وجود احصائيات نهائية واضحة ، ولكن كشفت الدكتورة نجوى خليل وزيرة التأمينات عن ان المجتمع يواجه الجيل الثالث من اطفال الشوارع وهو الجيل الأخطر لانه يتسم بالعدوانية وعدم الانتماء المجتمعى . ادركت قوة ذكاء مالك فى فهمه لما يثير فضول من حوله ، قاطعته وانا انظر اليه ، "احكيلى يامالك لكن احكيلى اولا عن ظروفك وحياتك" . مالك من اسرة مكونة من اربعة من الصبيان وأب وأم وجد للأب ، الاب "ارزوقى " ممن يستقظون مبكراً ويحملون عدتهم ويفترشون ميدان من الميادين بجانب عدد كبير مثله إنتظاراً للفرج ويكون فى صورة مقاول انفار عنده "سبوبة "او شخصاً عادياً يريد عمل " مرمة" فى بيته ، والقدر والنصيب هما من يتحكمان فى رجوع الاب لبيته ومعه ثمن وجبة الغداء والتى لا ترقى الى " الزفر" اى البروتين فعادة ماتكون مكرونة وبطاطس محمرة او ارز وخضار فقط ، او انه يعود بيته مهزوماً امام سبعة من البطون الفارغة . اما الأم فهى وتد المنزل التى ترعى الاسرة وترعى جد مالك والذى يعانى من فيروس سى مما ادى الى تضخم الكبد وكم حلموا وكثيرين بجهاز علاج فيروس سى والذى اشار له لواء الجيش مؤخراً . ولكن سرعان ماذهب الحلم دون رجعة . قاطعت حديث مالك وسألته عن مكان نومه؟ "قال لى اوقات بنام فى البيت واوقات بنام مع يحيى صاحبى هنا فى الشارع ، سألته عن يحيى ، قالى يحيى اللى بيبيع أعلام وقت لما يكون فيه ماتش وبيبيع ولاعات ومناديل وحاجات كتير . وانا كمان بقيت معاه وبقى معايا فلوس ، انتابنى الخوف عليه وسألته بتعمل ايه بالفلوس يامالك؟ " "قال لى بنجيب كشرى وبنشترك فى زجاجة حاجة ساقعة كبيرة ونقسمها وبنجيب حاجة حلوة من بتاع المشبك والهريسة ، سألته بشغف جربت تجيب سجائر يامالك؟" "قالى يحيى جاب وانا جربت منه وعيال كتير بيشربوا لكن انا معنديش فلوس للسجائر ، انا لسه بياع على قدى" . أصابنى الحزن لإدراكى انها مجرد ايام او شهور قليلة وتنفض طفولة وبراءة مالك ، تذهب الى حيث لاعودة وربما ستكون خطوة فى مشوار طويل إستوعبت نهايته الحتمية . تلك كانت ظروف تنشئة مالك وربما فكرته عن حاضره ومستقبله ، فحاضره بائع صغير ذات يومية زهيدة لاتمكنه من شراء صك الرجولة فى نظره وهى السجائر ، ومستقبله وحلمه ان يصبح مثل يحيى الذى اثبت رجولته بالإنفاق على نفسه وعلى مزاجه الخاص. إرتبط اسم مالك قديما بقصة مالك الحزين للكاتب إبراهيم أصلان ، ولكن فى هذة الحالة ارى ان مالك سعيد وانا المنعوتة بالحزن . استأذنت مالك لإنهاء اللقاء وطلبت منه حزمة من الوعود ، بعد اعطائه رقم هاتفى ، ان يحافظ على الورقة التى بها الرقم واذا احتاج الى اى شئ لايتردد فى الاتصال بى واخيرا يعدنى بلقاء اخر يكون فيه الوقت اكثر اتساعاً. فرح مالك بمجرد اظهار الاهتمام به واحس بنفسه قليلاً عندما أسرفت فى مدحه وتلقيبه ب ( رَجُلى الصغير) ، صاحبنى برجولته المعتادة الى سيارتى وودعنى بنفس الابتسامة التى استقبلنى بها. ربما لم يغير هذا اللقاء فى مالك شيئا ولكنه كان لقاءاً فارقاً معى ، شاهدت اعمال درامية خاصة بأطفال الشوارع ، قرأت كتب تعرضهم كظاهرة مجتمعية ، كما وصفتهم ايضا وزيرة الشئون الاجتماعية وقد تحدثت انها ترى الحل الامثل للتعامل معهم يكمن فى تطوير مؤسسات الرعاية على مستوى الجمهورية وعددها ٧٣ حتى تكون قادرة على استيعابهم واصلاح مسارهم واختارت ٥ مؤسسات كمرحلة اولى فى خطة التطوير وذلك لانها تحقق التنوع الجغرافى . وعدت الوزيرة كسابقتها ممن جلسوا على نفس الكرسى بنفس الوعود والتى اراها وعود من برج عاجى لايرقى لحل حقيقى لهذا الواقع المرير . سرحت قليلا وانا فى طريقى للبيت ، تخيلت عندما يتزوج مالك من امرأة مثله ربما ممن شاركته نفس الميدان ، وينجبان مالك اخر صغير ، ترى لمن سينتمى هذا المالك الصغير؟ فهل يدرك مالك الأب معنى هذة الكلمة؟ فكيف سيعلمها للمالك الابن؟ هل ستسوعب مصر جيلاً يبيع أعلامها على الطرقات ولايدرك من معنى العلم غير سعره ؟ ومن البذل ، غير بذل المجهود للضحك على الزبائن فى السعر ؟ نحن نفتقر الى الايدى العاملة بالرغم من كثافة السكان ، فلما لا نستغل هذة الظاهرة كوسيلة ارخص تكلفة كالصين مثلا . لماذا لاتفكر قواتنا المسلحة فى عمل ورش كبيرة تكون بمثابة مراكز ايواء لهم ايضا ، وتعلمهم بعض الحرف فنعيد بذلك زمن محمد على فى إحياء الحرف والصناعات الصغيرة . افكار ومقترحات كثيرة ودراسات موجودة بالفعل اذا ارادت الدولة ايجاد الحلول لهذة الظاهرة والتعامل مع هؤلاء الاطفال كقنبلة موقوتة يجب الحذر الشديد منها لانها ستنفجر فى اى وقت و بصورة عشوائية من الصعب تدراكها .
ads
ads
ads

من تتوقع أن يفوز برئاسة الأهلي؟

محمود الخطيب
78%
محمود طاهر
19%
شخص آخر
3%
ads
ads
ads
<