مواقف مصر الثابتة تنقذ المنطقة العربية من ويلات الحروب

تحليل يكتبه ناصر هيكل

09:00 م

الخميس 16/نوفمبر/2017

بلدنا اليوم
 
«مصر عادت شمسك الذهب تحمل الأرض وتغترب.. كتب النيل على شطه قصصًا بالحب تلتهب.. لك ماض مصر إن تذكرى يحمل الحق وينتسب.. ولك الحاضر فى عزه قبب تغوى بها قبب».. كان صوت جارة القمر فيروز يشدى بهذه الأغنية فى خلفية المشهد بمؤتمر الشباب العالمى بشرم الشيخ، وعلى جانب من المشهد كان يجلس سعد الحريرى رئيس وزراء لبنان أمام الكاميرات ليعلن من السعودية استقالته من رئاسة الوزراء بلبنان، بحجة أنه يشعر بأن هناك مخططًا لاغتياله, وفى آخر الصورة يلوح حسن نصرالله زعيم حزب الله اللبنانى بأن إسرائيل وراء كل ما يحدث فى جزيرة العرب، منددًا بما حدث لرئيس وزراء لبنان، ومصرحًا بأنه محتجز بالأراضى السعودية.

فى الوقت الذى كان ولى عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان يصدر قرارات بتوقيف العديد من الأمراء ورجال الأعمال السعوديين, وفى مشهد آخر يجلس الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مبتسمًا ابتسامة باهتة، معلنًا تأييده التام للملك سلمان، وابنه الشاب فيما يتخذونه من إجراءات لتتصاعد بعدها، وتيرة الأحداث، ويعلو صوت إيقاعها، مصحوبًا بتصريحات بعض المسؤولين السعوديين منددة بالموقف الإيرانى من تسليح الحوثيين, وأن السعودية تحتفظ بحق الرد فى أى وقت, مصحوبًا بإرهاصات سياسية عربية ودولية بتوجيه السعودية ضربة قوية لحزب الله اللبنانى، وفى لحظة أصبحت دقات طبول الحرب ضد إيران تسمع فى كل كلمة وفى كل مشهد.

فجأة يصمت الجميع، ويتوقف قارعو الطبول، وينتبه الجمهور لذلك الصوت القادم من شرم الشيخ معلنا رفض مصر اندلاع حرب بالمنطقة، قائلًا إن المنطقة تموج بالمشكلات والاضطرابات، ولا يجب إضافة مزيد من التوتر, كان هذا صوت الرئيس السيسى خلال فاعليات منتدى شباب العالم، موضحا أن "أمن الخليج هو خط أحمر بالنسبة لنا، ويجب على الآخرين أن لا يتدخلوا فى شؤوننا، ولا يصلوا بالأمور إلى شكل من أشكال الصدام".

مضيفًا أن "الأزمات الإقليمية يمكن حلها بالحوار، لكن إيران يجب أن تكف عن التدخل فى شؤون الدول الأخرى".

كان هذا التصريح كفيلًا بأن تهدأ الدنيا، وتقف أصوات الطبول، وتخرس كل الألسنة، التى تدعو إلى الصدام.

كان كلام الرئيس واضحًا ومحدد الرؤية فما يفعله الملك القادم وولى العهد الحالى مع أمرائه هو شأن داخلى لا يعنينا فى شىء, أما أن يتهور فى إدخال المنطقة إلى أتون معارك قد تدخل المنطقة بأسرها إلى مصير مجهول، فلا بد للكبير من وقفة ولا بد للحكيم من حكمة, فعندما يتحدث الكبير يجب على الجميع الصمت والانصياع.

ما أن تحدث الرئيس إلا وهدأت تصريحات حسن نصرالله العنترية, وأصدر البيت الأبيض بيانًا -عكس ما صرح به رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب- يدعو فيه إلى احترام سيادة لبنان واستقلاله، ويرفض تهديد استقراره، مشيرًا فى الوقت نفسه إلى أنه يرفض أى عمل من قبل ميليشيات فى لبنان، أو من قبل قوى خارجة، لتهديد استقراره. وتصدر وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا يصف فيه ريكس تيلرسون، لبنان بأنه "شريك قوى" للولايات المتحدة، محذرًا من استخدام بيروت لخوض "نزاعات بالوكالة"، بعد أزمة استقالة الحريرى من السعودية. ويلتقى الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان فى الرياض، فى زيارة مفاجئة لم يعلن عنها من قبل. وركزت المباحثات على سبل احتواء التوتر بين الرياض وطهران، إضافة إلى الملف اللبنانى والعلاقات المشتركة. وقال الرئيس الفرنسى إنه سمع "مواقف متشددة جدا" من السعودية حيال إيران "لا تنسجم" مع رأيه، مشددًا على ضرورة العمل مع الرياض على الاستقرار الإقليمى.

لم يكن موقف مصر ورئيسها موقفًا جديدًا عليها، فهو نابع من سياسة مصر الثابتة, مصر الداعية للسلام دومًا, مصر القائدة، التى قد كانت على وشك أن تفقد قيادتها وريادتها للمنطقة حتى أعادها لها الرئيس السيسى.

أعاد الرئيس السيسى قيادة مصر وشمسها الذهبى عندما أوقف طبول الحرب بتصريح من شرم الشيخ, وبعدها بدأ وزير الخارجية، سامح شكرى، جولة عربية ينقل فيها رسائل رئاسية لـ6 دول بينها السعودية، تتناول أوضاع المنطقة وما تشهده لبنان من تطورات. 

وأوضحت الخارجية المصرية فى بيان، أن جولة شكرى "تستغرق 3 أيام وتشمل كلًا من الأردن والإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عُمان والسعودية".

وكشف البيان أن الجولة "تتضمن التشاور والتنسيق بين مصر والأشقاء فى الدول العربية" حول أمرين، أولهما "ما يشهده المسرح السياسى فى لبنان من تطورات"، والثانى "تنامى التحديات المرتبطة بأمن واستقرار المنطقة بشكل عام".

ويحمل شكرى رسائل شفهية إلى قادة الدول العربية، التى تشملها الجولة، فضلاً عن إجراء مباحثات ثنائية مع نظرائه من وزراء الخارجية. وأكد البيان "موقف مصر الثابت بشأن ضرورة الحفاظ على التضامن العربى فى مواجهة التحديات المختلفة التى تشهدها المنطقة وتأثيراتها المحتملة على الأمن القومى العربى".

وينقل شكرى "رؤية مصر وتقييمها لكيفية التعامل مع تلك التحديات، والتأكيد على سياسة مصر الثابتة والراسخة التى تدفع دائمًا بالحلول السياسية للأزمات وضرورة تجنيب المنطقة المزيد من أسباب التوتر أو الاستقطاب وعدم الاستقرار".

لم يكن هذا هو الموقف الأول لمصر ورئيسها، فدوما كانت مصر ضد أى تقسيم أو تدخل فى شؤون أى دولة عربية, مصر كانت دومًا مع وحدة الأرض وسلامة الشعوب مصر، التى نادى رئيسها فى مؤتمر شرم الشيخ بالسلام والتعايش بين الشعوب, فموقف مصر فى سوريا واليمن وفلسطين وليبيا لم ولن يتغير.

موقف مصر فى سوريا
أعاد الرئيس السيسى قيادة مصر وشمسها الذهب، عندما وقف بقوة فى وجه القوى الغاشمة وطيور الظلام التى كانت تعشش فى سوريا, علمت مصر ورئيسها مبكرًا بخطط التقسيم الشيطانية فى سوريا، فكان لها موقفها الثابت بالاحتفاظ برئيسها بشار الأسد، ورفض أى حلول عسكرية أو اتفاقات من شأنها تقسيم الأراضى السورية، ونجح موقف مصر الذى ساندته روسيا وإيران، وها نحن الآن نسمع عن اتفاق الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ونظيره الروسى فلاديمير بوتين على قتال تنظيم الدولة الإسلامية فى سوريا حتى هزيمته.

وإصدار بيان بهذا الشأن بواسطة خبراء عقب اجتماع الزعيمين لفترة وجيزة على هامش قمة آسيا - المحيط الهادى فى فيتنام، وأصدر الكرملين بيانا، السبت الماضى، يفيد بأن الزعيمين "اتفقا على أن ليس للنزاع فى سوريا حل عسكرى".

كما أكدا "الالتزام بهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية"، وناشدا كل الأطراف بالمشاركة فى عملية السلام التى تستضيفها جنيف.

موقف مصر فى اليمن
أعاد الرئيس السيسى قيادة مصر وشمسها الذهب عندما رفض انزلاق مصر فى مستنقع اليمن، الذى تعانى منه السعودية منذ أكثر من عامين حتى الآن، فكان لمصر موقف واضح وثابت، مهما كانت نتائجه ففى الوقت الذى كانت تحتاج فيه مصر إلى دول الخليج للوقوف بجوارها داخليا وخارجيا، ولعل الكواليس كانت تحكى عن مكاسب لا حصر لها فى حال قيادة مصر التحالف الخليجى فى اليمن, لكن موقف رئيسها كان نابعًا من سيادتها, لم ترتض مصر أن تكون مكاسبها على حساب الدم اليمنى أو العربى, تؤكد مصر دومًا على موقفها الداعم لليمن واستقرارها ووحدة أراضيها, وكانت شهادة نائب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء اليمنى خالد محفوظ بحاح خير دليل على هذه المواقف، حينما قال إن "مواقف مصر المبدئية الثابتة مما يجرى من أوضاع وتطورات عاصفة واستثنائية يمر بها اليمن تبقى ماثلة وحية فى ضمير وذاكرة ووجدان كل يمنى"، منوهًا بوقوفها المشرف إلى جانب الشرعية الدستورية وجهودها المشكورة الرامية إلى المحافظة على الوحدة اليمنية واستقلال اليمن وسيادته وسلامة أراضيه ورفض أى تدخل فى شؤونه أو فرض أى أمر واقع بقوة السلاح واعتبار الحوار والحل السلمى البوابتين الرئيسيين للخروج من إنهاء الأزمة واستشراف أفق جديد.

موقف مصر من القضية الفلسطينية
أعادت مصر شمسها الذهب عندما حققت المصالحة الفلسطينية التاريخية, فموقف مصر من هذه القضية ثابت وواضح أيضًا لم يتلون ولم يتغير, مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى عادت بقوة وفاعلية لتلعب دورًا مؤثرًا وفاعلًا على صعيد القضية الفلسطينية، ونجحت فى إقناع حركة حماس بحل اللجنة الإدارية وتمكين الحكومة الفلسطنيية من عملها فى غزة، والتوجه إلى انتخابات عامة.. مما فتح الطريق أمام تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية الشاملة.

مصر استخدمت كل أدواتها السياسية والمخابراتية بذكاء وفاعلية سواء على صعيد علاقاتها الفلسطينية أو الصعيد الإقليمى عربيًا وإسرائيليًا أو على الصعيد الدولى، حتى مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويكفى أنه ولأول مرة إسرائيل لم تهدد السلطة كما فعلت عندما تشكلت حكومة الوفاق الوطنى الفلسطينى، وهذا التغير الإيجابى فى المواقف الأمريكية والإسرائيلية تجاه المصالحة الفلسطينية بالتأكيد كان لمصر دور فيه.

موقف مصر فى ليبيا
أعادت مصر شمسها الذهب، عندما بدأت فى الظهور منذ فترة بوادر لتحولات فى مجمل التحركات المصرية فى ليبيا، فالموقف المصرى من الأزمة الليبية ما زال ثابتًا كما هو منذ بداية الانقسام السياسى بين الشرق والغرب، فمصر ما زالت تدعم الحفاظ على وحدة ليبيا وترغب فى الخروج من الأزمة الحالية من خلال إطار للتسوية السياسية، وهو ما عبرت عنه مصر بوضوح من خلال دعمها الحوار السياسى الذى عُقد بين الأطراف الليبية المختلفة تحت رعاية الأمم المتحدة، وتظل مصر أيضًا رافضة لفكرة الميليشيات أو التشكيلات العسكرية غير النظامية، وغير الخاضعة لسلطة الدولة، وبالتالى فمصر تدعم الأطراف السياسية والعسكرية الشرعية، سواء أكانت مجلس النواب فى طبرق أو الجيش الوطنى الليبى بقيادة خليفة حفتر.

كل هذه الثوابت التى شكلت الموقف المصرى من الأزمة الليبية لم تتغير، لكن ما تغير هو الأسلوب الذى بدأت مصر تستخدمه لتحقيق أهدافها فى ليبيا، وهو ما يضيف الكثير من المرونة للسياسة الخارجية المصرية تجاه ليبيا.
ads
ads
ads

هل تتوقع ترشح الفريق شفيق فعليا لرئاسة الجمهورية

نعم سيترشح للرئاسة
32%
لن يترشح وهى مجرد مناورة سياسي
37%
غير مهتم
31%
ads
ads
ads
<