وليد الغمرى يكتب.. بأى ذنب قتل «أصحاب الحب» ؟!

05:10 م

الأربعاء 29/نوفمبر/2017

بلدنا اليوم
 
ليلةٌ طويلةٌ بطول الدهر.. لا نوم فيها ولا سهاد.. والقلبُ منزوعٌ وملقى على سجاد روضة الشهداء.. لا صوت يعلو فوق صوت الوجع.. لا شىء يُسمع غير الأنين.. أنات وآهات تحمل حروف كلمة «ثأر».
 فجأة ينهار الصمت.. ويعلو صوتٌ ينادى: «الله أكبر.. حى على الصلاة».. إنه فجر يوم جديد.. فأحمل خطاى التى ينهكها ألم الحزن.. وعلى باب زاوية الحب أسترق السمع.. هو أيضًا تتقاتل خطاه مع عصاه، وكلاهما ينهكه الشيب والحزن.. وتتضافر خطانا.. فتلامس أقدامنا سجاد الزاوية الأحمر.. وكلانا ينظر إلى الآخر فى تعجب! هنا سجدنا سويًا.. وهنا تسامرنا بعد الصلاة.. لكن سجاد زاويتنا لم يكن أبدًا أحمر.. من بدَّل اللون الأخضر فى مسجدنا الصغير بلون الدم؟!
 ينادى الإمام هيا يا عباد الله.. نتراص دون همس أو ضجيج.. لا شىء يعلو على صوت الإمام.. يتلو مولانا قوله تعالى عن الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.. ثم نسجد.. وفى الركعة الثانية يصرخ الإمام بقوله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا...» تتكاثر الرحمات، فيعلو صوت همهمات المصلين.. الكل ينهار.. والجمع يجهش بالبكاء... فيقف إمامنا.. يصرخ متهجدًا للسماء.. يقول «يا الله».. فتهتز أرجاء مسجدنا الصغير.. الكل يبكى.. الكل يردد.. «يا الله.. يا الله». لحظات وتتبدل فى أعيننا كل الأشياء.. حتى لون سجاد مسجدنا.. يصرخ باللون الأخضر.. نسمع نواح الدواب خارج زاويتنا.. كل شىء فى المحيط.. يصرخ.. «يا الله.. يا الله».. لا أعلم كم مرّ من الوقت.. لكنى أعلم أن شيئًا ما حدث.. أنزل فى قلوب يملؤها الوجع.. شىء من السكينة.. الكل فى فضاء الحزن يستأنث بلفظ الجلالة.. وكأنَّ يد السماء تمتد كى تطمئن قلوب يملؤها الخوف والحزن.. ثم يصمت الجميع.. فقد أنهى إمامنا صلاة الفجر.. فلم يكن فجرًا ككل فجر.. بل كانت صلاة بألف صلاة..
 أنسحب إلى إحدى زوايا مسجدنا الصغير.. يرمقنى بنظرة عطف ذلك الشيخ الذى منحه المشيب وقار الصالحين.. أستدعيه بنظرة رجاء.. فيلبى دعائى بمنتهى الجلال.. ويجلس بجوارى.. ثم يهمس فى أذنى.. رفقًا يا ولدى فهذا فجرٌ جديدٌ.. أسأله بشىء من دموع مختنقة: بأى ذنب قتل أصحاب الحب فى روضة سيناء؟!.. فيجيب بمنتهى الهدوء: «يا ولدى هذا قدر الشهداء».. أكرر سؤالى: «بأى ذنب قتل أصحاب الحب فى روضة سيناء؟!».. فيجيب: «وبأى ذنب قتل على وقتل الحسين.. يا ولدى هذا قدر الشهداء».. أنظر فى عين شيخى وأنا أرجو منه.. شىء من سكينة الصفاء على سمته المنير.. أسأله وكل أوصالى ترتعد.. «أليس لنا فى الحياة قصاص؟!».. فيجيب: «يا ولدى نحن دعاة للحب فى زمن الكراهية.. وفوَّضنا أمر القصاص لولى أمرنا».. صمت.. وبقى شىء من الغضب يحرق ما لم تصله نيران الحزن فى قلبى.. وهممت بالرحيل.. فاستوقفنى شيخى قائلًا: «يا ولدى لقد تبدَّل لون السجاد، وعاد إلى اللون الأخضر.. والأخضر فى شريعة الصفاء.. قد صفت له القلوب على المحجة البيضاء.. فصرنا دون حول منا ولا قوة.. عباد لله تصوفوا بصفاء سريرتهم.. وكتب علينا القصاص.. وسنقتص.. وكتب علينا القتال.. وها نحن نقاتل.. وكتب علينا الحب.. وها نحن نسير فى دربه على درجات الترقى.. فلا يغرنك يا ولدى وقت الحزن عواء الذئاب.. اصبر واحتسب.. واعلم أن لكل ظلام شروقًا جديدًا.. أليس الفجر يا ولدى بقريب؟».
 ذهبتُ إلى بيتى.. وفى الطريق.. ظل لسانى يردد.. نعم يا شيخى فإن الفجرَ قريبٌ.. إن الفجرَ قريبٌ.. داخل البيت.. اقتربتُ من بعض الأوراق الملقاة، أخذتُ أفتش عن شىء حقًا لا أعلمه.. وكأنَّ ملايين الأسئلة، التى تحرق الفؤاد تبحث عن شىء من المدد.. وفجأة وجدت أوراقًا قديمة كُتب عليها هذا الكلام.. «لقد فنى الصوفية فى حب مولاهم، وتخلقوا بأخلاقه، وتأدبوا، وتربوا فى محاريبه وعاشوا فى ذكره ومناجاته فعلمهم، وطهرهم، وزكاهم، واصطفاهم، واجتباهم، وأحبهم، ورضى عنهم، ففتح لقلوبهم ملكوت السماوات والأرض، يريهم عجائب كونه، وبدائع قدرته، وأسرار خليقته وأفاض عليهم، هداياه، وعطاياه، علوما، وأذواقا، كما قال تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله)».. انتهى الكلام.. وانتهت الإجابة.. لكنى قد اهتديت إلى نفس السؤال.. بأى ذنب قتل أصحاب الحب فى روضة سيناء؟!

*نقلا عن الأصدار الورقى لبلدنا اليوم
ads
ads
ads

هل تتوقع ترشح الفريق شفيق فعليا لرئاسة الجمهورية

نعم سيترشح للرئاسة
32%
لن يترشح وهى مجرد مناورة سياسي
37%
غير مهتم
31%
ads
ads
ads
<