عمرو المزيدي يكتب.. «أبله سارة المسيحية»

عمرو المزيدى

12:43 م

الأحد 07/يناير/2018

 
هناك أشخاص يدخلون إلى حياتنا فيتركون لنا علامات في الفكر والوجدان، ولا يمكن بأي حال من الأحوال نسيان مواقفهم معنا أو فضلهم فقد نقشوا في روحنا كل ما هو جميل كما لو ينقش النحات في الحجر.

عندما التحقت بمدرسة الحرية الابتدائية في منيا القمح سابقا، مجمع الملك فهد حاليا، لبدء حياتي الدراسية في كأي طفل يبلغ عمره الـ6 سنوات، حملت حقيبتي بداخلها كتبي وكشاكيلي وسندوتشات وزمزمية، وأمسكت أمي الطيبة بيدي وأخذتني إلى المدرسة، الحرية وقتها أنذاك وأدخلتني ، ثم غادرت وتركتني داخل عالم جديد كان من الصعب استيعاب التعايش فيه.

كنت طفلا لا يدرك سوى أن يتعامل مع أمه وأبوه داخل المنزل ، وانتابتني الحيرة لما يقرب من أسبوع بعد أن التحقت بأحد الفصول، ظللت منطويا على نفسي، ولكني كسرت حاجز الخوف بعض الشيء، وأدركت حينها أن التعامل أمر ضروري وهام لمسايرة الحياة حتى لا تتأخر عمليا.

أتذكر أني كنت من ضمن المتفوقين منذ أول أسبوع، ولكني كنت أبحث عن أم بديلة تلعب دورا في التربية والترغيب في حب الدراسة والدفاع عنك ضد كل من يحاول أن يمسك أو يهينك.

أثناء جلوسي في الفصل فوجئت بأحد المسئولين الإداريين في المدرسة يدخل إلينا طالبا ممن يرغب للنقل في فصل أخر أن يرفع يده، قمت على الفور وقولت له "أنا" ، وكانت موافقتي لها سببا، وهو ما سمعته عن أبله سارة المسيحية عن دورها في التربية وحبها للطلبة ورعايتها لهم جميعا، وأنا وقتها لم أكن أدرك معنى كلمة مسيحي أو مسلم، ففي النهاية نحن نسيج واحد.

انتقلت على الفور إلى فصلي الجديد بعد أن جمعت حقيبتي وغادرت لأبدأ وسط أصدقائي الجدد، تحت قيادة أبله ساره المسيحية، تلك الأستاذة والمربية الفاضلة، التي أثقلت قدراتي العملية وقتها، شعرت وكأنها تحبني كأمي وكانت تحرص على معاملة الجميع بطريقة واحدة ، ولكنني كنت أشعر أنها توليني عناية خاصة، وكثيرا ما دافعت عني ، ولو دور هام في تأسيسي علميا.

دورها في ترغيبي في الدراسة وكونها وضعتني في مصاف طلبة الابتدائي من ذات سني في هذا الوقت أمر مفروغ منه تمام، لكن لا أنسى تماما أن مرارا وتكرارا لم تسمح بأحد داخل المدرسة أن يتعدي علي بالضرب، ودخلت في مشادة كبيرة مع أحد المربيات الفاضلات داخل المدرسة، بعد أن قامت بضربي بشدة، بسبب تأخري عن الدخول للفصل بعد انتهاء " الفسحة" فأخذتني إلى المدير وأحدثت مشكلة كبيرة جدا ، بسبب انهياري من البكاء وقتها، أتذكر كل تلك التفاصيل، أتذكر أنها كانت تذاكر لي حتى بعد الدراسة.

غادرت المدرسة الابتدائية إلى الإعدادية ومنها للمرحلة الثانوية، وانتهيت بالجامعة، وانشغلت بأمور العمل الصحفي الشاق وتركت أبله ساره ولم أقابلها طيلة هذه الفترة، حتى بعد ما يقرب من 9 سنوات من التخرج قابلتها مرة واحدة، وإذا بي أجد نفسي أجري عليها، موجها لها النداء فتوقفت، ولكن لم تتذكرني فذكرتها بنفسي، وكنت سعيد وقتها على الرغم من انها لمم تتذكرني إلى بعد أن عرفتها بنفسي، ولا أستطيع أن أصف لكم حجم سعادتها لكوني أحد أبنائها الذي فرحت بسماع أخباره، وسعادتي أيضا.

بلغوا أبله ساره أني لم أنساها ولم أنسى فضلها، بلغوها أن تلميذها وأبنها ينقل لهها تحياته ، وأنه لم ينسها، وقلوا لها كل عام وأنتي بخير، وكل عام أقباط مصر بخير، وكل عام وكل مصر بخير، تلك السيدة التي ضربت أعظم مثلا في المواطنة وحب الوطن، فنحن نسيج واحد لوطن كبير هو مصر.
ads
ads
<