الإمبراطور!!

محمد سلطان

06:34 م

الأربعاء 28/مارس/2018

 
 يحيي دبورة، أحمد سبع الليل، محمد حسن، هشام أبو الوفا، مصطفى خلف، منتصر عبد الغفور، مستطاع الطعزي، زينهم، عبد السميع، رأفت رستم، عبده الطبال و غيرهم من الشخصيات، التي تعلقت بأذهان الجمهور بفعل موهبة استثنائية قلما تتكرر إسمها أحمد زكي. 
 من مجرد أسماء و أوصاف على ورق ميت، إلى شخصيات حية من لحم و دم، شكلت وجدان الملايين، تاركة فى نفوسهم عظيم الآثر بحكايات لا تنتهى ومشاعر لا تموت، أحمد زكى رائد مدرسة التقمص فى السينما المصرية بلا منازع، أحد القلائل الذين لم تطغى بصمة شخصيته الحقيقية على هيئة ومفردات شخصياته أمام الشاشة، ببساطة شديدة فإن مشاهدة فيلم لأحمد زكى هى بمثابة رحلة ساحرة يبُحر فيها الفتى الأسمر بمشاهديه ليصول و يجول بهم فى دروب شخصيات خيالية من فرط موهبته يشعر متابعيه بواقعيتها، ولا يفصلهم عن تلك الحالة العبقرية من التقمص و المعايشة سوى قراءة تتر النهاية و تذكر الإسم الحقيقى لهذا الفنان القدير .. أحمد زكى

- احمد زكى ابن الشرقية دفعه الشغف بالفن لشد الرحال للقاهرة، والإقامة فى بنسيون متواضع حتى يتمكن من الدراسة فى المعهد العالى للفنون المسرحية، الذى تخرج فيه عام1973، بتقدير امتياز قسم تمثيل وإخراج، وقدم زكى خلال فترة دراسته عدد من الأدوار المسرحية و السينمائية الصغيرة، ومثل أى قصة نجاح لم يكن طريقه مفروشًا بالورود؛ بل كانت طبيعة شخصيته الخجولة بعض الشيء بجانب ملامحه السمراء عائقاً أمام ظهوره فى بداياته خصوصًا مع سيطرة فكرة الوسامة كشرط أساسي للنجومية، تلك القاعدة التى حطهما عادل إمام لكن يبقى التغاضس عن شرط الوسامة مقبولًا للفنان الكوميدي، لكنه أبدًا غير مسموح به فى أى نوع درامي آخر وفقًا لمقاييس ذاك العصر، من هنا رفض رمسيس نجيب إسناد بطولة فيلم الكرنك له بحجة عدم منطقية حب سعاد حسني له، كذلك تحفظت نادية الجندي على هيئته قبل أن يفاجئها و يفاجئ الجميع بدور صغير لكن مؤثر فى فيلم الباطنية، إيمان «صلاح جاهين» بموهبته و تعاطفه معه دفع المخرج الكبير علي بدرخان للاعتماد عليه فى فيلم شفيقة ومتولي أمام السندريلا، التي شكل معها ثنائي ناجح فيما بعد فى أعمال خالدة مثل(هو وهى/موعدعلى العشاء/الراعى والنساء/الدرجة الثالثة).

علاقة احمد زكى بسعاد حسنى تدفعنا للحديث عن إختياراته لأعماله بل و زملائه أيضاً من خلال حس فنى عالى فهو فنان يؤمن بشمولية العمل الفنى و أهمية دور المخرج والمؤلف فى صناعة حقيقية عكس ما نسمع هذه الأيام عن سطوة النجوم و تفصيل الأدوار، لذلك شكل احمد زكى ثنائيات مع اهم مخرجى جيله مثل عاطف الطيب الذين قدموا سوياً افلام التخشيبة عام1984البرىء و الحب فوق هضبة الهرم عام1986الهروب عام1991وضد الحكومة عام 1992كذلك قدم مع محمد خان فيلم موعد على العشاء عام 1981احلام هند و كاميليا و زوجة رجل مهم عام1988و مستر كاراتيه عام1993و ايام السادات عام2000 وعليه فلم يكن غريبا أبدا ان ياتى إسم احمد زكى كثالث أكثر ممثل له افلام فى قائمة افضل مائة فيلم مصرى برصيد ستة افلام!!

- كان العبقري أحمد زكي حريصًا جدًا على كل تفصيلة صغيرة فيما يقدمه، حتى ولو أفقده ذلك الدور نفسه مثلما حدث فى فيلم الحريف، عندما ذهب لأول يوم تصوير حليق الرأس، فاستشاط منه غضبًا صديقه المخرج محمد خان، واختلفت رؤيتهم الفنية حول شكل بطل العمل، حتى أسند خان البطولة لاحقًا للزعيم عادل إمام، فى مفارقة قد لا يعلمها الكثيرون، كانت كل شخصية يقدمها أحمد زكى مختلفة تمامًا عن الآخرى حتى وإن تشابهت التيمة «باللغة السينمائية الدارجة»، فهل لاحظ أحدنا مثلًا أى تشابه بين أدواره فى «البيه البواب/النمرالأسود/شادر السمك/ الإمبراطور» الذين يتشابهون جميعًا فى تيمة الصعود من القاع للقمة، لكن كل منهم حكاية مختلفة قدمها أحمد زكى بشكل أكثر إختلافًا!!

- أحيانًا ما تكون عظمة الموهبة نقمة على صاحبها، وهو ما تجلى فى حياة أحمد زكي  حيث لم يخضع كثيرًا لحسابات السوق، رغم تقديمه لبعض الافلام التجارية نوعًا ما، لكنه أبدًا لم يتخلَ عن مضمونها قدر المستطاع، و الأهم إن تلك الأفلام كانت الإستثناء فى مسيرته، بينما القاعدة هى إبداع حقيقي لم تتحمل بعضه دور العرض بمقاييسها المختلفة، ولا المنتجون بحساباتهم البنكية، حتى على المستوى الشخصي وكعادة المبدعين لم تكن حياته مستقرة، وهذا طبيعي جدًا لشخص تدور فى خياله عوالم خفية، لا يعلم أحد عنها شيء حتى أقرب المقربين منه، لذلك بعد انفصاله عن الفنانة الراحلة هالة فؤاد، والدة ابنه الوحيد الفنان هيثم زكي، استهوته الوحدة و سكن الفنادق وتزوج فنه، لكن تلك الحياة غير المستقرة مع التقلبات المزاجية الحادة، والتدخين الشره مع إرادة الله، قبل كل شيء، أصيب الفنان العظيم بسرطان الرئة ليرحل عن عالمنا فى مارس 2005 عن عمر يناهز55 عامًا بعد مشوار فني كبير لم يمهله القدر كثيرًا حتى يستكمله، و كان آخر أعماله فيلم «حليم» عن قصة حياة المبدع الآخر العندليب الأسمر، الذين تشابهت حكاياتهم من الشرقية .. للمعاناة .. للقمة .. للوفاة بالمرض اللعين!!
ads
ads
<