سناء الشريف تكتب: ذكريات شم النسيم على ضفاف النهر

02:18 م

الأحد 08/أبريل/2018

بلدنا اليوم
 
عند ملتقى النهر بالبحر.. أقصى شمال الدلتا.. فى تلك الزاوية النائية.. يحتضن ساحل البحر وضفة النيل "فرع رشيد" قريتنا الوادعة.. ذات المناخ المعتدل والطابع الأوروبى.. يلملم الخريف أوراقه المتساقطة.. وتجف أمطار الشتاء.. فيبسط الربيع بهجته.. وتبدأ الطيور الوافدة رحلات العودة إلى مواطنها.. قدمت إلينا مع حلول الشتاء.. قاطعة مئات الكيلومترات.. عابرة البحر المتوسط.. مثل السحب التى يتزامن وصولها معا.. تزاوجت وأفرخت.. والآن حان موعد الرحيل.. مع وعد باللقاء في نفس الموعد من العام القادم.. بذور النجيلة التى يبست سنابلها الصيف الماضى.. بعثرتها رياح الخريف.. وأنبتتها مياه الشتاء قبل أن تجف.. فتحولت الأرض السوداء إلى سجادة خضراء.. أورقت الأشجار وتفتحت الأزهار.. الطيور تصنع أعشاشها.. بعد خروجها من بياتها.

ننصب الفخاخ لنصطاد الدقانيش.. ونتسلق الأشجار لنسطو على أعشاش الطيور.. ونستولى على بيضها وأفراخها.. نطارد أبو الفصاد.. ونتابع أسراب عصافير الجنة الخضراء والسنونو السوداء فى تشكيلاتها المتناسقة.. ننتشر بين الحقول وعلى القنوات والمصارف.. نصطاد الفراشات المزركشة.. ونقتطف الزهور البرية بديعة الألوان.. ونتسلق أشجار صفصاف "أم الشعور".. ونقطع أفرعها المتدلية كجدائل شعر الفتيات.. لنصنع منها إكليلا.. نعلقه على أبواب بيوتنا قبل حلول شم النسيم.. ونصنع من سعف النخيل أشكالا بديعة.

ويأتى سبت النور.. أمى أطال الله عمرها وأحسن عملها.. تصر أن تضع الكحل فى عيوننا.. نحاول الهروب.. ولكن هيهات.. لابد أن يكتحل الجميع.. وتدمع عيوننا.. ويسيل الكحل على خدودنا.. يشترى أبى رحمه الله أم الخلول والسردين والفسيخ الذى تتميز به محافظتنا على باقى محافظات مصر.. ويحضر لنا البصل الأخضر والكرات والكسبرة والخس والفول الأخضر من الغيط.. وتجمع أمى بيض الدجاج الذى تربيه فى حظيرة المنزل استعدادا لبعد غد الاثنين "شم النسيم".

وتأتى الطقوس التى أشتاق إليها كثيرا.. يوم شم النسيم.. نستيقظ باكرا.. وتكون أمى قد استيقظت قبلنا.. وخبزت لنا العيش "الرح".. وسلقت البيض .. وحضَّرت لنا عجينة "الفلافل" التى لم ولن أتذوق مثلها فى حياتي.. تفرم الفول الأخضر والكرات والكسبرة الخضراء وتضع عليها الملح والبهارات.. تدع العجينة جانبا.. وتقوم بتحضير الإفطار.. نلتف حول "الطبلية" وتوضع أمامنا أطباق الفسيخ والسردين وأم الخلول.. وسلطة الطماطم بالكسبرة الخضراء.. والبصل الأخضر والكرات المصرى العريض بجذوره التى تشبه جذور البصل الأخضر.. والفجل والجرجير.. والليمون.. وبجوارنا صينية العيش "الرح" الساخن.. مغطى بقطعة من القماش الأبيض ليحتفظ بليونته وسخونته.. ونبدأ فى تناول أشهى إفطار فى العام.. فهو يختلف عن إفطار باقى الأيام الذى يكون عادة من الفول والطعمية والجبن.

ولا تنتهي الطقوس عند هذا الحد.. تقوم والدتى بعد الإفطار لتقلى لنا "الفلافل".. بينما نقوم أنا وأخوتى بتلوين البيض بأقلام الألوان الخشبية والزيتية والمائية.. وبعد ذلك تضع لنا أمى البيض و"الفلافل" و"الجبنة القديمة" والبصل الأخضر والعيش "الرح" فى كيس من القماش أو البلاستيك.. ونتوجه إلى حدائق القرية والتى كنا نسميها "الصوبة" .. كانت جنة الله فى الأرض بما تحويه من أشجار ونباتات وأزهار وطيور وحيوانات برية .. قبل أن تطالها يد البشر المخربة .. نلتقى مع أصدقائنا .. نضع طعامنا جانبا .. نجرى ونلعب وعندما نشعر بالتعب نجلس على النجيلة الرباني التى لم تتدخل فى زراعتها يد بشر .. وفى ظلال الأشجار ورائحة زهور البرتقال وبهجة ألوان الأزهار .. نتناول إفطارنا للمرة الثانية .. ثم نعاود اللعب .. ونعود إلى بيوتنا بعد الظهر .

لم يكن ببلدتنا سوى 4 أسر مسيحية .. عم عزيز الفلاح وشقيقه جرجس صاحب محل إصلاح الراديوهات .. وعم وديع الممرض فى المستشفى .. وعم سمعان وعم حنا الموظفان بتفتيش الأملاك .. لم نشعر يوما بأنهم أغراب عنا .. لم تكن بذور التطرف قد زرعت بعد .. كنا نسيجا واحدا .. لا فتنة ولا تفرقة .. كانت أياما بسيطة التعامل دافئة المشاعر غنية القيم والمبادئ .. ليتها تعود.

كل عام وأشقاؤنا المسيحيون بخير وسعادة بمناسبة أعيادهم المجيدة .. أعادها الله عليهم وعلينا وعلى وطننا بالخير واليمن والبركات.
ads
<