كنا بعزة

دكتورة ثناء الشريف

10:31 م

السبت 28/أبريل/2018

 


ارحل بذاكرتي ويرحل جيلي معي ليتذكر اياما لا يمكن ان تنسى. فرض علينا فيها الغرب حصارا اقتصاديا وذلك لاركاع مصر وكسر أنف زعيمها وإزلال شعبها. لم تكن في البنوك دولارات ولم يعترف البنك الدولي باقتصادنا واعتبره هشا ورفض اقراض مصر تحت الضغط الغربي.

كنّا نواجه دولا عظمى مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا. كنّا فقراء كدولة بمعنى الكلمة ولا نملك حتى القدرة على الاستدانة وكانت مواردنا محدودة جدا رغم امالنا العظيمة. فقررنا كشعب التضحية بكل شىء لبناء بلدنا وتصنيع جميع احتجاجاتنا.

كان وابور الكيروسين في كل مطبخ ولمبة الجاز على استعداد دائم لانقطاع الكهرباء. كانت المكواة الحديدية في كل بيت وكان البقال لا يبيع سوى الجبن الأبيض والحلاوة الطحينية وبعض انواع السمن المحلى النادر. كان هناك ثلاثة انواع فقط من الصابون الاول ازرق ويسمى ابو الهول لغسيل الملابس والثاني صنلايت لغسيل الاطباق والثالث نابلسي شاهين للاستحمام. لم نعرف الشامبو او الصابون ذو الرائحة. ورغم ذلك كانت البيوت تصنع الصابون المحلي وتقشط الألبان لتصنيع السمن البلدي وتربي الدواجن. كان الشاى والسكر من الرفاهيات ونأخذه ببطاقات التموين مع زيت بذرة القطن بعدد أفراد الاسرة.

أوقفنا الاستيراد تماما وبدأنا التصنيع. حين أنتجت المصانع الحربية البوتاجاز كان نوعا واحدا وهو ما كان في كل منزل. وأنتجت شركة النصر للتليفزيونات نوعا واحدا حجزناه وانتظرنا سنوات للحصول عليه. صنعنا سيارة لأول مرة وأطلقنا عليها رمسيس وصنعا الثلاجة ايديال والغسالة اليدوي لتزداد رفاهية الطبقة الوسطى التى كانت تنمو باضطراد.

كان هناك قناعة ونحن نشتري الكستور المصري لتفصيل ملابسنا وكانت هناك عزة ونحن نشتري منتجات شركه المحلة من أفرع صيدناوى وعمر أفندي. ورغم كل ذلك طالبنا رئيس الدولة بربط الأحزمة حتى ننفذ خططنا الخمسية الاولى والثانية ووقف الشعب يدا واحدة للتضحية بجيل كامل من اجل اجيالا قادمة. وانشانا مئات المصانع ودارت عجلة الانتاج والتصنيع فكان من الصعب ان يوجد عاطلا. كان هناك قناعة بان المستقبل أفضل. ورغم انهيار الكثير من احلام هذا الجيل بالهزيمة العسكرية واحتلال الارض الا ان هذا الجيل المضحي رفض الهزيمة وبدا الإعمار وحرب الاستنزاف رغم تهجير ثلاثة مدن مع توقف الملاحة في قناة السويس وتلاشي دخلها تماما.

رغم كل ذلك خرج المبدعون في الفن والثقافة والعلم. وأرسل الأزهر البعثات التبشيرية الى كل ركن في افريقيا. وفتحت مدينة البعوث ابوابها لطلبة العالم ليدرسوا في ازهرنا الشريف اللغة العربية والدين. وذهب المدرسون والأطباء الى كل مدينة عربية لتعليم ابنائها تحت نظام إعارة محكم تحملت فيه الدولة رواتب المدرسين في الدول الفقيرة مثل الصومال واليمن.

كانت الوطنية في أوج مجدها. وكان شعارنا يد تبني ويد تحمل السلاح. كانت كرامتنا في السماء وكان صوت إذاعتنا يغذو كل بيت عربي وأنشأنا الإذاعات الموجهة بكل لغات الارض. لم نكن نرتدي ملابس اليوم بظاهرها الديني بل كان رداؤنا الأخلاق الحميدة والاحترام المتبادل وكلمة الرجل التي كانت اضمن من اي عقد. كانت هذه مصر وكان هذا جيلنا وجيل ابائنا.

حين قال الرئيس وهو من أبناء جيلنا أن ثلاجته كانت خاوية لسنوات تذكرت أنه كان أفضل حالا من الغالبية التى كانت لا تملك ثلاجة في هذا الوقت واستمرت تصقع المياه في القلل القناوي وتضع صنيتها في بلكونة المنزل. وحين سخر منه السفيه في مؤتمر التعاون الإسلامي تذكرت وزير النفط السعودي وهو يحكي حينما أتت شركة أرامكو للسعودية بأول ثلاجة في الخمسينيات فوجدوها لا تبرد فإستغرب الأمريكان لذلك ولكنهم إكتشفوا السر فقد كانوا يفتحون باب الثلاجة كل خمسة دقائق للتأكد أنها باردة من الداخل!

ومرت السنين لنكتشف ان جيلنا وجيل ابائنا قد اضاع مجهوده هباءا فقد أصبحت بلدنا تستورد كل شىء ونضيع كل دخلنا من العملة الصعبة على منتجات لاتجدي وبعنا مصانعنا او هجرناها وجاء جيل يشكو ولا يعمل يكذب ويفبرك ولا يحترم كبيرا او صغيرا. ويستمع الى الأغاني الهابطة وكأنها طرب اصيل. نلبس زيا دينيا بلا اخلاق فالكذب والنفاق والنميمة والفضول والتطاول أصبحت من سمات العصر. وضاعت لغتنا العربية الى الفرانكو أراب. اصبح الجشع والطمع والرغبة في الوصول مهما كانت الطريقة من المسلمات وأصبح المال هدفا في حد ذاته وليس وسيلة. تخيل لو ان هذا الجيل قد طلب منه الان ربط الأحزمة كما طلب منا او الاستغناء عن الاستيراد كما فعلنا او ان يغسل ملابسه كما غسلنا او يشتري ملابسه من الصناعة المصرية فقط كما لبسنا او ان يصنع صابونه كما صنعنا او يكتفي بالفول والجبن والحلاوة كما اكلنا..او ان يعتبر الشاي رفاهية كما اعتدنا..!

نعم كنّا فقراء الا من العزة فهل تتذكرون ما اتذكر وهل من أمل ان نعود بهذا الجيل لنصف ما كنّا عليه؟
كنّا فقراء .. ولكن بعزة...!!

ارحل بذاكرتي ويرحل جيلي معي ليتذكر اياما لا يمكن ان تنسى. فرض علينا فيها الغرب حصارا اقتصاديا وذلك لاركاع مصر وكسر أنف زعيمها وإزلال شعبها. لم تكن في البنوك دولارات ولم يعترف البنك الدولي باقتصادنا واعتبره هشا ورفض اقراض مصر تحت الضغط الغربي.

كنّا نواجه دولا عظمى مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا. كنّا فقراء كدولة بمعنى الكلمة ولا نملك حتى القدرة على الاستدانة وكانت مواردنا محدودة جدا رغم امالنا العظيمة. فقررنا كشعب التضحية بكل شىء لبناء بلدنا وتصنيع جميع احتجاجاتنا.

كان وابور الكيروسين في كل مطبخ ولمبة الجاز على استعداد دائم لانقطاع الكهرباء. كانت المكواة الحديدية في كل بيت وكان البقال لا يبيع سوى الجبن الأبيض والحلاوة الطحينية وبعض انواع السمن المحلى النادر. كان هناك ثلاثة انواع فقط من الصابون الاول ازرق ويسمى ابو الهول لغسيل الملابس والثاني صنلايت لغسيل الاطباق والثالث نابلسي شاهين للاستحمام. لم نعرف الشامبو او الصابون ذو الرائحة. ورغم ذلك كانت البيوت تصنع الصابون المحلي وتقشط الألبان لتصنيع السمن البلدي وتربي الدواجن. كان الشاى والسكر من الرفاهيات ونأخذه ببطاقات التموين مع زيت بذرة القطن بعدد أفراد الاسرة.

أوقفنا الاستيراد تماما وبدأنا التصنيع. حين أنتجت المصانع الحربية البوتاجاز كان نوعا واحدا وهو ما كان في كل منزل. وأنتجت شركة النصر للتليفزيونات نوعا واحدا حجزناه وانتظرنا سنوات للحصول عليه. صنعنا سيارة لأول مرة وأطلقنا عليها رمسيس وصنعا الثلاجة ايديال والغسالة اليدوي لتزداد رفاهية الطبقة الوسطى التى كانت تنمو باضطراد.

كان هناك قناعة ونحن نشتري الكستور المصري لتفصيل ملابسنا وكانت هناك عزة ونحن نشتري منتجات شركه المحلة من أفرع صيدناوى وعمر أفندي. ورغم كل ذلك طالبنا رئيس الدولة بربط الأحزمة حتى ننفذ خططنا الخمسية الاولى والثانية ووقف الشعب يدا واحدة للتضحية بجيل كامل من اجل اجيالا قادمة. وانشانا مئات المصانع ودارت عجلة الانتاج والتصنيع فكان من الصعب ان يوجد عاطلا. كان هناك قناعة بان المستقبل أفضل. ورغم انهيار الكثير من احلام هذا الجيل بالهزيمة العسكرية واحتلال الارض الا ان هذا الجيل المضحي رفض الهزيمة وبدا الإعمار وحرب الاستنزاف رغم تهجير ثلاثة مدن مع توقف الملاحة في قناة السويس وتلاشي دخلها تماما.

رغم كل ذلك خرج المبدعون في الفن والثقافة والعلم. وأرسل الأزهر البعثات التبشيرية الى كل ركن في افريقيا. وفتحت مدينة البعوث ابوابها لطلبة العالم ليدرسوا في ازهرنا الشريف اللغة العربية والدين. وذهب المدرسون والأطباء الى كل مدينة عربية لتعليم ابنائها تحت نظام إعارة محكم تحملت فيه الدولة رواتب المدرسين في الدول الفقيرة مثل الصومال واليمن.

كانت الوطنية في أوج مجدها. وكان شعارنا يد تبني ويد تحمل السلاح. كانت كرامتنا في السماء وكان صوت إذاعتنا يغذو كل بيت عربي وأنشأنا الإذاعات الموجهة بكل لغات الارض. لم نكن نرتدي ملابس اليوم بظاهرها الديني بل كان رداؤنا الأخلاق الحميدة والاحترام المتبادل وكلمة الرجل التي كانت اضمن من اي عقد. كانت هذه مصر وكان هذا جيلنا وجيل ابائنا.

حين قال الرئيس وهو من أبناء جيلنا أن ثلاجته كانت خاوية لسنوات تذكرت أنه كان أفضل حالا من الغالبية التى كانت لا تملك ثلاجة في هذا الوقت واستمرت تصقع المياه في القلل القناوي وتضع صنيتها في بلكونة المنزل. وحين سخر منه السفيه في مؤتمر التعاون الإسلامي تذكرت وزير النفط السعودي وهو يحكي حينما أتت شركة أرامكو للسعودية بأول ثلاجة في الخمسينيات فوجدوها لا تبرد فإستغرب الأمريكان لذلك ولكنهم إكتشفوا السر فقد كانوا يفتحون باب الثلاجة كل خمسة دقائق للتأكد أنها باردة من الداخل!

ومرت السنين لنكتشف ان جيلنا وجيل ابائنا قد اضاع مجهوده هباءا فقد أصبحت بلدنا تستورد كل شىء ونضيع كل دخلنا من العملة الصعبة على منتجات لاتجدي وبعنا مصانعنا او هجرناها وجاء جيل يشكو ولا يعمل يكذب ويفبرك ولا يحترم كبيرا او صغيرا. ويستمع الى الأغاني الهابطة وكأنها طرب اصيل. نلبس زيا دينيا بلا اخلاق فالكذب والنفاق والنميمة والفضول والتطاول أصبحت من سمات العصر. وضاعت لغتنا العربية الى الفرانكو أراب. اصبح الجشع والطمع والرغبة في الوصول مهما كانت الطريقة من المسلمات وأصبح المال هدفا في حد ذاته وليس وسيلة. تخيل لو ان هذا الجيل قد طلب منه الان ربط الأحزمة كما طلب منا او الاستغناء عن الاستيراد كما فعلنا او ان يغسل ملابسه كما غسلنا او يشتري ملابسه من الصناعة المصرية فقط كما لبسنا او ان يصنع صابونه كما صنعنا او يكتفي بالفول والجبن والحلاوة كما اكلنا..او ان يعتبر الشاي رفاهية كما اعتدنا..!
ط
نعم كنّا فقراء الا من العزة فهل تتذكرون ما اتذكر وهل من أمل ان نعود بهذا الجيل لنصف ما كنّا عليه؟
ads
ads
ads
<