د. فتحي عامر يكتب: إعلام النقاش أم إعلام التهديد.. عمرو أديب نموذجًا
في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة أسرع من الرصاصة، وأشد تأثيرًا من أي سلاح، لم يعد مقبولًا أن يتحول الإعلام من منصةٍ للنقاش إلى منصةٍ للإنذار. ما قيل لم يكن مجرد رأي عابر، بل حمل في طياته نبرة حادة، أقرب إلى “افعل وإلا”، وهي لغة لا تليق بعقل جمهور ولا بمهنة تقوم أساسًا على الإقناع.
هناك فرق شاسع بين إعلامي يطرح قضية للنقاش، يفتح بابًا للفهم، ويدعو الناس للتفكير، وبين آخر يلوّح بعصا التهديد. الأول يصنع وعيًا، والثاني يصنع خوفًا. الأول يحترم عقل المتلقي، والثاني يشكك في قدرته على التمييز.
وحين يتحول الخطاب من “انتبهوا لهذا الأمر” إلى “امسح وإلا تتحاسب”، فإننا لا نكون أمام نقاش، بل أمام محاولة فرض سيطرة. وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية؛ لأن الناس بطبيعتها لا تستجيب للضغط، بل تتمرد عليه. وحين يشعر الجمهور أن هناك شيئًا يُراد إخفاؤه بالقوة، يتحول الفضول إلى دافع، والشك إلى بحث، فيشتعل الموضوع بدل أن يخمد.
الإعلام، في جوهره، ليس سلطة قمع، بل سلطة تفسير. ليس دوره أن يُخيف، بل أن يوضح. وإذا كانت هناك فكرة خاطئة أو محتوى ضار، فالطريق الطبيعي لمواجهته هو الحجة والدليل، لا الحذف والتخويف؛ لأن الفكرة الضعيفة تسقط أمام المنطق، أما الفكرة التي تُحاصر بالقوة، فغالبًا ما تكتسب تعاطفًا لم تكن لتحصل عليه.
الأخطر من ذلك أن لغة التهديد تُدخل الجمهور في حالة من القلق: هل نحن أمام مساحة حرة للنقاش؟ أم تحت رقابة مستترة؟ هذا السؤال وحده كفيل بأن يهز الثقة بين الإعلام والجمهور، وهي الثقة التي إن انهارت، سقط معها كل شيء.
الوعي لا يُبنى بالصوت العالي، ولا يُفرض بالإنذارات. الوعي يُبنى بالحوار، بالاحترام، وبالإيمان أن الجمهور ليس قاصرًا يحتاج وصاية، بل شريكًا يستحق أن يُخاطب بعقل.
في النهاية، الحقيقة البسيطة التي يغفلها البعض: من يثق في فكرته، لا يخاف من عرضها، ولا يحتاج إلى تهديد الآخرين لإثباتها، بل يطرحها بهدوء، ويدافع عنها بعقل، ويترك الحكم للناس. لأن الفكرة القوية لا تحتاج إلى حارس… يكفيها أن تُقال!!