”الشيخ الكفيف”.. صاحب مصر البهية عانى من الجهل وسُجن بسبب الثقافة

الخميس 07 يونية 2018 | 02:05 مساءً
كتب : سارة أبو شادي

«اتجمعوا العشاق في سجن القلعة.. اتجمعوا العشاق في باب الخلق.. والشمس غنوة من الزنازن طالعة.. ومصر غنوة مفرعة في الحلق»، سنوات طوال قضاها صامدًا لم يتفوه لسانه سوى بكلمات الحق، وصف حياته بالكامل في كلمات أغانيه، فكانت أشبه بمذكرات رحل وتركها للأجيال من بعده.

على قهاوي وسط البلد وفي ميادين الثورة بالمحروسة، تتعالى أصوات أغانيه، فباتت تراثًا يتداوله الشباب عبر السنين، اليوم، وفي السابع من يونيو، يحل ذكرى وفاة الشيخ إمام، الموسيقار الكفيف الفقير الذي غنى ولحّن أنواعًا مختلفة من الكلمات، ما بين الموشحات وشعر الفصحى والأشعار العامية، وبين الغزل والحب والأغنيات الثورية، «مصر يامه يابهية يأم طرحة وجلابية».

نبذة عن حياته

«الشيخ إمام قال كلمة حق جت الحكومة قالت له لأ وأبو النجوم على ودنه انزق فى المعتقل والدنيا نهار».. هكذا غنى الشيخ إمام عيسى من كلمات رفيق دربه أحمد فؤاد نجم ليلخص بهذه الكلمات حياتهما.

البداية كانت عام 1918 وتحديدًا في الثاني من يوليو، بعدما رزق الشيخ محمد عيسى بولد أسماه إمام، ولد في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة، لأسرة فقيرة وكان أول من يعيش لها من الذكور حيث مات منهم قبله سبعة ثم تلاه أخ وأخت، أصيب في السنة الأولى من عمره بالرمد الحبيبي، وفقد بصره بسبب الجهل واستعمال الوصفات البلدية في علاج عينه.

كان والده يحلم أن يكون ابنه شيخاً كبيراً، لكنه كان قاسياً في معاملته، أما والدته فكانت النبع الذي ارتوى منه إمام بالحنان في طفولته وعوضه فقد بصره، وكانت معايرة الأطفال لابنها بالعمى تدفعها للبكاء، كان إمام يندس في مواسم الأفراح والحج، وسط الحريم ليسمع غناءهن وأهازيجهن فنشأ صاحب أذن موسيقية.

ضحية الجهل

عانى الشيخ إمام من الجهل مرات عديدة، لم يكتفي أهله من التسبب في إصابته بالعمى وهو صغير، بعدما استخدموا وصفات شعبية في علاجه كانت سببًا في ذهاب بصره نهائيّا، بل ولأنّ والده كان عنيفًا معه،  خاصة وأنّه تمنّى أن يصبح ولده الوحيد حينها شيخًا، يفتخر به بين أبناء القرية، لكنّه وجد أنّه ألحق به الخزي والعار، بعدما تمَّ فصله من الجمعية الشرعية بسبب سماعه القرآن بصوت الشيخ محمد رفعت في إذاعة القرآن الكريم وهو ما كان محرمًا في الجمعية، مما دفع والده لطرده من القرية ومنعه من العودة طالما أنّه حي، فأثر ذلك على إمام بشكل كبير خاصة وأنّه لم يودع والدته قبل وفاتها، ولم يعد إلى قريته إلّا بعد وفاة والده.

 بداية الصعود

بعد طرد والده له، كان الشيخ إمام يقضي نهاره في حي الحسين وينام ليلاً في الجامع الأزهر، إلى أن انتقل إلى حي الغورية، وهناك التقى بشيخ الملحنين المصريين الشيخ درويش الحريري، وبدء الشيخ درويش بسبب إعجابه بصوت الشيخ إمام تعليمه الموسيقى، وشق الشيخ إمام طريقه بين الموسيقيين فتعرف على الشيخ زكريا أحمد وكان إمام يساعده في حفظ ألحانه الجديدة واكتشاف نقاط الضعف بها، مما أدى إلي تسريب بعض ألحان الشيخ زكريا إلى الناس قبل أن تغنيها أم كلثوم.

استغنى الشيخ زكريا أحمد عن الشيخ إمام، فبدء إمام شق طريقه وحيدًا، حيث تعلم العود واستغنى عن الملابس الأزهرية، وبدأت مسيرته الغنائية من هذه اللحظة في الثلاثينيات، وبدأ يبتعد عن قراءة القرآن الكريم، ليتعرف بعدها على الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم ، وبدأت الشراكة بينهما، نجم يكتب شعرًا والشيخ إمام يلحن ويغني، وسرعان ما صارت غرفتهما في حوش قدم ملتقى الأدباء والفنانين وحتى الإعلاميين.

بدء الشيخ إمام ونجم رحلتهما معًا بأغنيات غزلية "وأنا أتوب عن حبك أنا؟" و"عشق الصبايا" و"ساعة العصاري".. وبدء الشيخ إمام يغني أيضًا أشعارًا لشعراء آخرين كنجيب سرور وسيد حجاب وفرغلي العربي وعدد آخر من الشعراء المصريين، واستمرت أغنيات إمام على هذا النمط حتى جاءت النكسة.

نكسة 1967

«يا أهل مصر المحمية بالحرامية.. الفول كتير والطعمية والبر عمار» هكذا كان استقبال الشيخ إمام للحدث الذي هز العرب جميعًا، وبدأت نقطة التحول: السخرية، بدأت سخرية فؤاد نجم بأشعاره والشيخ إمام بألحانه وصوته الشجي بالعديد من الأغنيات التي تسخر من النكسة، سخرية تحمل نقدًا لاذعًا للمسؤولين المصريين، وسرعان ما حاولت السلطة استيعابهما، لكنَّ الأغنيات كانت تنتشر كالنار في الهشيم وأقضت مضاجع السلطات؛ فقررت السلطة اعتقالهما بتهمة «تعاطي الحشيش» عام 1969.

وتم الحكم على الشيخ إمام بالؤبد، ليصبح أول سجين بسبب الغناء في تاريخ الثقافة العربية، فكان صوت الشيخ إمام بمثابة صوت الضعفاء، والفقراء، والثوار، ومع صعود الرئيس السادات للسلطة في مصر ومع انتفاضة الطلبة عام 1977 كان إمام صوت الانتفاضة.. وفي الثمانينيات تلقي إمام ونجم دعوة لإلقاء أغانيهما في باريس، كما كان لهما عدة جولات في دول عربية وأوروبية.

وفاته

في أواخر أيام الشيح إمام نشب خلاف بينه وبين نجم، مث آثر الشيخ إمام الانزواء في غرفته والعزلة ولم يعد الشيخ الذي جاوز السبعين يخرج كالسابق في المناسبات العامة، ليموت في هدوء يوم 7 يونيو عام 1995، ليرحل ويترك لنا « شرفت يا نكسون بابا، يا خواجه يا ويكا، مصر يامه يابهية، وغيرها من التراث الذي ما زال يردد إلى الآن».

 

اقرأ أيضا