المنسيون فى الحرب.. إنجازات الأبطال على خط النار (ملف خاص)

الخميس 04 أكتوبر 2018 | 07:32 مساءً
كتب : السيد موسى

بعد سنوات من النكسة ظل العار يلاحق المصريين لسنوات لم تمر عليهم بسكينة، طاردتهم خلالها مرارة الهزيمة، وكان لا بد من رد الشرف والدفاع عن الأرض فصنعوا النصر بدمائهم فى حرب أكتوبر، وكتبوا شهادة تحرير سيناء، ودفعوا أرواحهم فداء للوطن، ورووا بدمائهم الذكية ترابها، فكانت الرصاصات لا تفرق بين عرق ولا دين أو لون، لتصعد أرواح الراحلين إلى ربهم، ويبقى الناجون المنتصرون لينقل بعضهم بطولات أصدقائهم وقادتهم ويتربعون عرش الشاشات، إلا أن هناك منهم من اكتفوا بشرف الدفاع عن أرض الوطن ولم يأخذوا حقهم وقدرهم الكافى من الظهور إعلاميًا.

 

"بلدنا اليوم" حاورت عددًا من هؤلاء الأبطال الذين سطروا العديد من الإنجازات خلال الحرب، وألحقوا العناء والشقاء بإسرائيل فى أول هزيمة لهم، وقهروا الجيش المحتل الذى زعم أنه لا يقهر فى معركة تدرس حتى الآن فى جميع المدارس الحربية حول العالم، خاصة مع قلة الإمكانات.

 

عاصم شمس الدين.. شارك فى النكسة وعوضها بالنصر

اللواء عاصم شمس الدين، التحق بالقوات المسلحة فى عام 1963، وشهد العديد من الحروب منها: "النكسة يونيو 67، وما تلاها من مرحلة الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر"، وكان أحد أبطال سلاح الدفاع الجوى فى حرب أكتوبر، وعلى الرغم من مرور 45 عامًا على الحرب إلا أن ذكريات 73 ما زالت تطارده بجميع تفاصيلها الدموية والمأساوية وكذلك فرحة النصر،: "عدى 45 سنة فى وقت قصير جدًا".

 

هناك مشهدان يفرق بهما "شمس الدين" فرحة النصر ومرارة النكسة، "مقارنة بين السبت 5 يونيه 1967 وبعد عامين السبت 6 يونيه خلال حرب الاستنزاف"، وبدأ البطل فى سرد مشهد النكسة،: "كنت فى كتيبة صواريخ مضادة للطيران، وكنت اتدربت على معدات ليها مواصفات معينة، اتغيرت هذه المواصفات واتطورت للأحسن خلال فترة الاستنزاف، على العموم كنا متسلحين بإمكانات ضعيفة عام 1967 لما طلب مننا أن نكون طوارئ، وكنا مستعدين للحرب فى أى لحظة".

 

بعد 20 يومًا من فرض حالة الطوارئ بين قوات الجيش وبالتحديد يوم 15 مايو الساعة التاسعة صباحًا، استيقظت القوات على شىء مريب صوت انفجار،: "فتحت الباب عشان أشوف فى إيه، أول مشهد شوفته طائرة إسرائيلية عليها نجمة داود والطيار خوذته باينة لونها أبيض والمستوى كان منخفضا جدًا، ببص على شمالى لقيت قاعدة أنشاص مولعة نار، والطائرات اللى على الأرض انضربت فى هبوط مفاجئ لإسرائيل، ونجحوا فى تدمير كل الطيران المصرى"، ويؤكد المقاتل أنه وقف لا حول له ولا قوة مكتوف الأيدى وسط الإمكانات الضعيفة والأسلحة التى تسلح بها وذاق مرارة النكسة.

 

فى نفس اليوم السبت ولكن باختلاف العام، رأى اللواء عاصم شمس الدين مشهدا معاكسا تمامًا مع السابق، علم من خلاله بقيمة المصرى البسيط حينما يوضع فى مكان صحيح بشكل دقيق وسط ظروف ملائمة من التخطيط فهو قادر على صنع المعجزات وتخطى جميع الصعوبات، وهو ما حدث خلال بطولات حرب الاستنزاف.

 

عصر السبت 5 يونيه 1969، كانت الأجواء هادئة فى منطقة أنشاص، إلى أن قطع الإسرائيليون بهجومهم على الموقع، ذلك الهدوء تحول إلى ملحمة تاريخية سجلت فيها بطولة مصرية لكتيبة "شمس الدين"،: "كان فيه طيارتين بتضرب قاعدة أنشاص للمرة الثالثة أو الرابعة، وكان هناك طيار مصرى داخل طائرته التى لا تعادل جناح طائرة من معدات العدو، "وبذكاء شديد قام الجندى المصرى بمناورة هرب فيها من ضربة العدو وجاءت القذيفة فى الطائرة الثانية التابعة لقوات العدو"، ويكمل الجندى آنذاك ما رأه بالنسبة للطائرة الثانية،: "اصطدمت فى شجر المانجة، نتيجة المناورة ونزلت فتافيت".

 

"ماعرفتش موعد الحرب غير بعد ما بدأت بخمس دقائق".. انتقل شمس الدين بالحديث عن يوم 6 أكتوبر  1973 يوم النصر المبين، انطلقت الضربة الجوية التى فاجأت بها القوات المصرية، العدو، الساعة 2 الظهر، كان هو بغرفة العمليات فى المركز المسئول عن توصيل القوات المضادة للصواريخ بالدفاع الجوى، "وبما إنى عرفت الحرب بعد ما بدأت ماكنتش أعرف الإجراءات اللى المفروض أعملها، وكنت فى مركز العمليات"، إلا أننى من تلقاء التدريبات التى قمنا بها علمت أن العمل كجماعة مهم فى تلك الأحيان هو ما يجب أن نقوم به وربط المجموعات ببعضها وكانت هى مهمتى".

 

من المواقف التى لا تمحى من ذاكرة "شمس الدين"، حينما كان لواء محطة الردار، وكانت هناك طائرة استطلاع أمريكية، تقترب من شمال بورسعيد على مسافة 80 كيلو، يقول اللواء،: "كانت الطائرة فى ظهر الوحدات فى الجبهة وكانت متجهة نحو القاهرة، واستمرينا فى متابعتها، ومكنش معانا معدات للتدمير، وكانت على وشك أن تقتحم الموقع إلا أننا كنا نعلم أن هناك أجهزة متابعة إلكترونية صوبت الصواريخ نحوها، وحينما رأى قائدها أن نهايته اقتربت؛ عمل مناورة وفر هاربًا"، ويتمنى "عاصم" أن لو أسقط الطائرة الأمريكية، وأثبت للعالم دورهم فى مساندة الصهاينة فى الحرب.   

 

اللواء سامى فضل.. قتل قائد سلاح المدرعات الإسرائيلى

اللواء محمد سامى فضل، قائد معركة مضيق وادى سدر بجنوب سيناء، إحدى المعارك العسكرية المصرية خلف خطوط العدو فى حرب أكتوبر المجيدة والتى تم صناعة فيلم خصيصًا لها سمى بـ"المهمة المستحيلة"، كما أنه سطر اسمه بحروف من ذهب بإنجاز انفرد هو به، وهو قتل قائد سلاح المدرعات الإسرائيلى أبراهام مندلف، وكان أحد أركان الجيش الإسرائيلى الذين لم يرحموا المصريين فى 67.

 

يقول "فضل"، إن: "الإسرائليين كان عندهم عقيدة ثابتة أنه بمجرد وصولهم لسيناء خلال حرب النكسة، أنها أصبحت ملكهم وأن المصريين استسلموا للأمر الواقع وما عاد لهم قومة مرة ثانية، ورسخ فى أذهانهم بما أوتوا من معدات وخط بارليف أن لا أحد يستطيع مشاحنتهم على سيناء بما زعموا أن الجيش الإسرائيلى لا يقهر، "الكلام ده ميمشيش  مع المصريين، وأهو ضربناهم بالجزم".

 

كان الإسرائيليون من منطقهم وكعادتهم يستولون على أرض الدول العربية دون وجه حق، رسخ فى منطقهم أن سيناء ملكهم، والغريب فى الأمر أنهم أخذوا بعض التوقيعات على قراراتهم من الحلف الأطلنطى والناتو،: "وقت ما كنا بنشوف الكلام ده كننا نقول إن الجيش المصرى مستحيل يكون صعب عليه عبور القناة، إلى أن جاء العبور".

 

وعن مرحلة ما قبل الحرب، أكد قائد معركة مضيق وادى سدر بجنوب سيناء، أن الحرب لم تبدأ يوم السادس من أكتوبر، بل كان هناك تطعيم للمعركة خلال فترة عرفت بحرب الاستنزاف، حث كان يتم تدريب المصريين على المواجهة والاقتحام وفنون القتال والتعامل مع العدو وأخذ الحذر من المخاطرة، وشرح أن سيناء كانت تحكمها ثلاثة ممرات فى حين إغلاق أحدها سيتسبب فى خسائر جسيمة بالنسبة لإسرائيل ويشل حركتها، كما سيساعد القوات فى العبور.

 

وفى يوم الثالث من أكتوبر قبل الحرب بثلاثة أيام، أوقفت وحدات الصاعقة هذه الممرات، "الكتيبة 143 صاعقة، بقيادة اللواء نبيل شكرى، واللواء السيد إبراهيم الشرقاوى، أغلقوا الممرات على إسرائيل تحت قيادة البطل الشهيد رفعت عامر، وتسلمت القيادة بعد استشهاده".

 

السادس من أكتوبر، والذى تم اختياره بعناية فائقة مما كان له مكانة فى تيسير المهام على المصريين، جاءت الضربة العسكرية ولحقها عبور 5 فرق فى ساعات، وتحولت الآية وقهر الجيش الإسرائيلى،: "كانوا يبصوا يقولوا هو المصريين بيعملوا إيه.. ورغم إننا مامعناش إمكانات؛ إلا إنهم كانوا خايفين مننا"، حينما فقد الإسرائيليون السيطرة على تلك المواقع لعبوا بالشائعات،: "قالولنا إن الخط ده جحيم لأى طائرة واللى يعدى من عليه هيتحول لتراب، ومرت الطائرات وعبر الجنود ولم تتحول إلى جحيم، بل تحولت حياتهم هم إلى كابوس".

 

جمال حفيظ.. قائد كتيبة الإعجازات بأقل الإمكانات

 اللواء أركان حرب جمال حفيظ، تخرج من الكلية الحربية فى 26 فبراير 1964، وكان له موقف طريف أثناء توزيعه، "كان يحب سلاح الصاعقة وسجل فى رغباته كذلك نفس السلاح"، إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهى السفن فى يوم التوزيع،: "الفريق فوزى اللى بيوزعنا قالى عاوز تدخل الصاعقة، قولتله تمام يا فندم، لقيته بيقولى إنت فى سلاح المدفعية، ولم أجد أمامى رد سوى أنا قولت حاضر يا فندم"، "دى مدرسة عسكرية"، قالها وهو يضحك.

 

لحسن الحظ أو لسوءه لم يكن "حفيظ" ضمن الظباط الذين طالتهم نكسة 67 بعدما سافر إلى اليمن، إلا أنه لم ينج من اضطرابها النفسى الذى انتاب مجموعة كبيرة من الذين شاركوا فيها،: "الموضوع كان صعبا جدا بالنسبة لنا، كنت لما أسمع البيانات العسكرية أحزن ومريت بمرحلة صعبة"، ولعل صعوبة تلك المرحلة على اللواء جمال حفيظ تتمثل فى "أسماء الشهداء من دفعتنا كانوا أعز أصدقاء، مما كان له أثر فى عودته إلى مصر للمشاركة فى حرب أكتوبر".

 

صباح السادس من أكتوبر كان جمال قائدا للواء 16 مشاة إلا أنه لم يكن على علم بموعد الحرب، وبحلول الساعة 11 تقريبًا جاء الخبر،: "ظابط من الكتيبة جالى بجواب، وقال لى افتحه الساعة 12"، وجلس الظابط والجواب بيده يترقب الثانية عشر ويعد الثوانى ومع دق الساعة معلنة 12 فتح الجواب ليجد أنه باقى ساعتين على الحرب، وكان هناك أزمة بالنسبة له،: "الكتيبة كانت مشكلة فى يناير 73، قبل الحرب بـ8 شهور وكانت لم تكتمل بعد، ومع ذلك دخلت الحرب وهى غير مستكلمة حتى أنه لا يوجد جهاز شحن للاسلكى الذى من خلاله سنتلقى التعليمات من القادة"، وعلى الرغم من أنه طالب به كثيرًا قبل الحرب إلا أنهم لم يوفره له وكلفوه بمهام الحرب دون أن تكتمل معدات الكتيبة.

 

لم يكن أمام جمال ومن معه سوى أن ينفذوا التعليمات التى جاءت فى الجواب المغلق وأن يخوض الحرب،:  "بلغت الظباط اللى معايا وقعدت أودع الوجوه بنظرى دون إبداء أى شىء لهم، وأنا قاعد وبتفرج على الموقع لقيت القوات الجوية بتقتحم وتقصف حصن العدو"، وبعدما رأى قائد اللواء الطائرات الهليكوبتر تعبر من فوق رأسه والدفاع الجوى مشتبك بغزارة فى محاولات لاقتحام أحصان العدو، بدأ فى التحرك بما لديه من جنود حتى يعبر فى الميعاد المحدد له،: "كان عندى سرية المفروض تعبر من فوق المعدية الساعة الثامنة والنصف وأنا مع السرية الأخرى فى التاسعة والنصف سنعبر على الكوبرى".

 

 كان الطيران يغطى أرض المعركة بالكامل، ومع بداية رؤية طائرات العدو تتساقط باستمرار، دخلت القوات إلى الكوبرى: "عبرت أنا والسرية اللى معايا والسرية الثانية عبرت  من المعدية"، وتم العبور بسلام فى اليوم الأول، إلا أن اليوم الثانى 7 أكتوبر، تم تدمير عربة للسرية التى كان يقودها "حفيظ"، وظلت الأمور بالمناوشات حتى جاء يوم المواجهة فى الثامن من أكتوبر،: "فيه كتيبة اشتبكت مع اللواء 14 مدرعة، ودمرنا 3 دبابات فانسحبت كتيبة الدبابات، وفى اليوم التالى 9 أكتوبر اندفعت القوات معه فى اتجاه الحافة الخارجية لقرية الجلاء والتى كانت تعرف بـ"الصينية"، والتى كانت ضمن الأراضى المحتلة إلا أنهم استردوها وذلوا العدو: "لدرجة إن كان فيه هناك استطلاع إسرائيلى وجرى من أمامى لقرب المسافة ولذعره منى، وقطعنا على الدبابات الإسرائيلية اللى كانت بتنزل من جبل حبيطة"، وذلك بمساعدة كتيبة المقدم حسين طنطاوى.

 

 من المواقف الصعبة التى مرت على "حفيظ" فى الحرب،: "التطوير.. أنا كقائد كتيبة صواريخ مضادة للدبابات جت لى أوامر وقتها إنى أؤمن الجانب اليمين للفرقة 21 مدرعة اللى كان المفروض تهاجم"، حينها كان الجانب المطلوب تأمينه هو جبل حضيضة والذى تحتله قوات العدو،: "كان فوقه كتيبة دبابات محتلاه"، حينها لم يكن باستطاعته هو أن يذهب لدبابات العدو ويواجهها، إلا أنه لم يكن أمامه سوى المواجهة والمجازفة بروحه وأرواح من معه،: "روحت أنا للدبابات واشتبكنا معاهم ودمرنالهم 7 وأحتلينا المنطقة وأمنا فرقة المدرعات".

 

ورغم قلة الإمكانات ونقص العدد إلا أن اللواء جمال حفيظ ومن معه من الجنود استطاعوا إنهاء المهمة على أكمل وجه، بل زادوا عليها وحققوا إعجازا، فكان من المفترض أن يدمروا 24 دبابة إلا أنهم تخطوا هذا العدد بكثير،: "رغم الإمكانات الضعيفة دمرنا 49 دبابة و6 مجنزرات، وده رقم قياسى طبعًا بالنسبة للى كان مطلوب"، ورغم هذا الجانب المبهج والمشرف فى الحرب، إلا أن هناك جانبا حزينا:، "بس من الصعب قوى إنى افتقدت فى تلك الحرب 6 من أفراد الكتيبة، من 21 الذين أصيبوا، فهنيئا لهم بالشهادة وإن كان يؤلمنا فراقهم".

 

سعد مرجان.. مقاتل دخل العسكرية خجلا فحقق ما لم يكن متوقعا

"الشعور بالخجل".. ربما كانت قصة انضمام اللواء سعد مرجان، للقوات المسلحة مختلفة إلى حدٍ كبير عن الأبطال المنسيين، حيث بدأ حياته بتقديم أوراقه لكلية العلوم وتم قبوله بها، ولكنه سحب أوراقه منها وقدم فى الكلية العسكرية بعدما وجد جميع أصدقائه قدموا فى الكلية الحربية وهو ما أشعره بالخجل، وبالفعل تم قبوله والتحق بالدفعة من عام 1961 إلى 1964، وكانت هذه الخطوة مدروسة مع أخيه الكبير، والذى كان يعمل ظابطا بالقوات المسلحة آنذاك.

 

بكل ما أوتيت إسرائيل من قوة ومساندة من الدول الداعمة لها وببناء خط بارليف وما حدث فى النكسة ولأسباب عديدة، لم يخطر على بال أحدٍ أن المصريين يستطيعون المواجهة- بما لديهم من إمكانات ضعيفة-، ولم يفكر أحد أن العبور على المشارف،: "بس إحنا كنا منتظرين الوقت اللى نقدر نمحو فيه عار الهزيمة والعجز الذى ملأ أنفسنا"، إلا أن استقبال "مرجان" ومن معه فى المجموعة لقرار الحرب كان ممزوجًا بفرحة كسر القيد،: "النكسة هزت جميع النفوس هزًا، وكنا مستعدين لفعل أى شىء فى أى مكان، بس القرار جه مفاجئ تمامًا".

 

فى تمام الساعة الثانية من ظهر يوم السادس من أكتوبر، جاءت الضربة الجوية، وبعدها بثلث ساعة بدأت القوات فى العبور خلف المضايق والدخول فى الاشتباكات والمواجهات، إلا أن دور مجموعة سعيد مرجان لم يأت بعد،: "دورنا كمظلات لم يأت، فحسب التخطيط أننا كنا سنعبر  خلف الخطوط فى حالة عدم توفيق نجاح إنشاء الكبارى، إلا أن الكبارى تمت وبنجاح، لذا لم يأت دورنا إلا أننا نريد أن ندخل المعركة لنشارك فى تسطير الأمجاد، لذا كنا نشارك فى كل شىء حتى جاء دورنا".

 

وعلى الرغم من أن العبور تم كـ"سيمفونية متناغمة"، إلا أن هذه السيمفونية شُرخت بما حدث يوم 16 أكتوبر كما يرى "مرجان"، والذى ربط قوله بما حدث من عشوائية فى ذلك اليوم عندما جاءت أوامر القيادة العامة: "سلم نفسك لقيادة الجيش الثانى عند مدخل الإسماعيلية"، وتقابلت المجموعة بالقيادة عند مدخل اللواء عبد المنعم خليل قائد الجيش الثانى فى ذلك الوقت،: "العشوائية كانت فى تنفيذ القرارات.. وإحنا فى مرحلة لا تتحمل ذلك"، ومن القرارات التى رفضها "مرجان" فصل كتيبة "مضاد للدبابات" عن المجموعة،: "إزاى كنا بنتحرك بدون هذه القوة؟.. خاصة أن هناك مجموعة سبقتنا وتم تدميرها!، إلا أننا جازفنا ونفذنا القرار".

 

وهنا جاءت بطولة لمجموعة سعد التى حظت بالعديد من الإنجازات،: "حدثت معركة لا تنسى وهى "معركة أبو عطوة"، دمرت المجموعة خلالها العديد من قوات العدو، وكان الضغط على كتيبة فطين وطه جاد قويًا، وكثيرًا ما طلبوا المدد؛ إلا أن العديد من مطالبهم لم تنفذ؛ وذلك لقلة الإمكانات، ورغم ذلك لم تنكسر عزيمتهم،: "حينما واصل طه جاد التقدم نحو بحيرة التمساح عند آخر مصطبة، وجد أن العدو أقام العديد من الكبارى الثابتة، لذا خاض معركة مع القوات وكان لا بد من هدم تلك الكبارى التى يعبرون من خلالها.

 

كانت تلك المعركة بها العديد من المواقف الصعبة والطريفة، ولعل أبرز ما يتذكره اللواء سعد مرجان من الطرائف،: "خلال الاشتباكات مع قوات العدو الذى كان مع قواته معدات تجعلهم ينسفوننا، إلا أنهم كانوا خائفين مننا، شارون وقتها قال: "أغيثونا من قوات المظلات التى التحمت معنا فى القتال التحاما شديدًا"، حينها مدت القوات المعادية بالطيران وهاجموا قوات المظلات، وقتها ترك رجال الجيش الإسرائيلى مواقعهم من المصاطب للحفاظ على أنفسهم والبحث عن مكان أمن، فلم يجدوا سوى الحفر الخاصة بالأمان فجلسوا بها.

 

ثمة أزمة أخرى قابلت المجموعة، وهو أن هويس المياه كان مرتفعا فى المكان الجديد الذى اختاره بديلًا للمصاطب، فكان لا بد من تدمير ذلك الهويس حتى نحقق الهدف الأسمى وهو منع العدو من التقدم، خاصة أن الدبابات كانت تمر نحو الموقع والقذائف تحيط بالمجموعة،: "وقتها بلغنا القيادة بتدمير هويس المياه ووافقوا، ولولا تدمير الهويس لكانت الإسماعيلية تم احتلالها من قبل  العدو وهو ما أعطى القوات دفعة".

 

ومن الأشياء التى حفزت الجنود على الاستمرار أيضًا كما يقول "مرجان" حالة الرعب والخوف التى انتابت القوات المعادية وكان لها أثر إيجابى فى الكثير من المعارك،: "كان الإسرائيلى يرى المصرى منهكا، ولكنه يخشى الاقتراب منه وملاقاته".

 

زغلول وهبه.. حكمدار إسقاط طائرات العدو

زغلول وهبه سليمان، رامى صواريخ الكتف سام 7، والذى كان مكلفا كـ"حكمدار" لموقع رقم 3 من الفصيلة رقم 39 ومن السرية الثالثة من الكتيبة 523 دفاع جوى، التحق بالتجنيد فى 26 نوفمبر 1969 أى بعد مرور عامين على النكسة، وتم اختياره عن طريق قائد قوات الدفاع الجوى اللواء محمد على فهمى، لمهمة "رامى رشاش ثقيل"، بعدما نجح فى الكشف الطبى، والتحق بمعسكر أبو قير، انضم بعدها لفريق رماة سام 7، وخلال الحرب، كان "زغلول" مكلفا بحكمدارية موقع 3، أحد مواقع الكتيبة 523 دفاع جوى، ونجح فى إسقاط طائرتين للعدو الصهيونى.

 

كان موقع "زغلول" فى المنطقة الفردان قبل طريق بورسعيد الإسماعيلية، وحتى قبل الحرب بيومين كان يشاهد الأمور تسير بطبيعتها، إلا أنه بدأ يشعر بتحركات لسيارات ضخمة وكانت المدرعات تسير على الطريق والدبابات متجهة نحو الفردان،: "التحركات دى شغلتنا ومع ذلك لم نتوقع أن الحرب على مشارف"، خاصة أنه كل عام كانت تخرج أخبارا بأنه "عام الحسم" إلا أنها كانت مجرد شائعات ولا يوجد حسم،: "اتعودنا على كده، وعرفنا إن الحرب لسه بدرى عليها".

 

رغم تلك التحركات الغريبة التى تشهدها المنطقة، إلا أن الأمور داخل الكتائب كانت تسير بشكل منتظم وطبيعى، ولم يوجد تغيير واحد داخل أى كتائب وكان هناك من يقضون إجازاتهم، إلى أن فوجئوا فى يوم السادس من أكتوبر، برفع الحالة إلى "ج" وهى تعنى الطوارئ، كان ذلك فى تمام الثانية عشر ظهرًا، وتم إبلاغنا بالاستعداد للمواجهات فى حالة حدوث اشتباكات مع الطيران المعادى،: "لم يحق لنا كجنود حق السؤال أو الاستفسار.. فقط ما علينا إلا التنفيذ"، وفى الثانية من ظهر ذلك اليوم سمعت القوات المتواجدة على الحدود صوتا مخيفا يهز أرجاء المكان،: "عدد كبير من الطائرات المصرية تقصف المواقع المحصنة للعدو".

 

بعد سماع تلك الأصوات المدوية التى صدرت عن انفجار كم رهيب من القنابل التى دمرت تحصينات العدو، تم تكليف القوات بالعبور، فى الوقت نفسه كانت الأجواء هادئة فى موقع الفردان خلال اليومين الأوائل من الحرب، قبل أن تتحرك قوات "الفردان" إلى مطار أبو حماد تحسبًا لقدوم العدو عن طريقه، وفى اليوم التالى 9 أكتوبر تم توزيعهم على مواقع بدائرة المطار فى قرية الأسديه بجوار قرية تل مفتاح والمنسترلى،: "جهزنا الموقع وتحديد الاتجاهات وتوزيع العمل على أفراد الموقع، وفى آخر النهار ذهبنا للمبيت بجوار المطار بقرية تل مفتاح خارج المطار".

 

دارت معركة بين الحكمدار وطائرات العدو أثناء دورانها، اشتبكا معًا واستطاع "زغلول" إسقاط طائرة للعدو، وحينما لم يجد الإسرائيليون أى ثغرة لاحتلال المطار فلم يستطيعوا حتى إصابة أى جزء منه، وذلك بفضل الدفاع الجوى حول دائرة المطار فى كل الاتجاهات،: "لم يستطع الطيران المعادى أن يصيب شبرا من المطار، لذا ضربوا قرى الشوامين وكفر حافظ وعرب سرحان وأصابوا الكثير من الأهالى والمدنيين ودمروا بيوتهم، إلا أنهم فشلوا فى احتلال الهدف بعدما أسقطت القوات عددًا من الطائرات التابعة للصهاينة، وحفظ المطار.

 

ومن الذكريات المؤلمة التى يحملها زغلول من حرب أكتوبر يوم 25 أكتوبر، حينما كانت هناك بعض أسراب الطائرات تحلق لحماية المجال الجوى بداخل الجمهورية،: "وقتها كان فى المطار طائرتان تؤمنان محيطه وتحلقان بالساحة خاصته، وفجأة حصل موقف محدش يقدر ينساه، وأظن كل اللى عايشين من الكتيبة فاكرينه كويس"، وجدوا طائرة من طائرتى تأمين المطار على ارتفاع منخفض تلامس أفرع الشجر،: "كنا شايفين سائق الطائرة بوضوح، وهو على بعد 10 أمتار تقريبًا، وفجأة حصل احتكاك بالشجر والأعمدة حتى خرج بعض الشرر بباطن الطائرة"، وكان الطيار يريد الصعود بها إلا أن الطائرة كانت لا تستجيب له، حتى سقطت.

 

كان الموقف مهيبًا مع اصطدام الطائرة بالأرض،: "انفجار رهيب، ولسه مابيغبش عن مخيلتى"، يضيف الحكمدار أنهم بحثوا عن الطيار فلم يعثروا على أى جزء منه سوى قدمه بعدما تحول لأشلاء، ومرت سنوات عديدة على الحرب إلا أن زغلول وهبه ما زال يسترجع ذكريات الأيام التى قضاها فى حب الوطن واسترداد أرض سيناء الغالية التى احتلها العدو لمدة 6 سنوات من يونيو 1967 حتى أكتوبر 1973 بالنصر الكبير والعبور الرائع.

 

إبراهيم عبد العال.. صائد الدبابات منحه «السادات» نوط الجمهورية العسكرى

يحمل البطل إبراهيم السيد عبد العال أبو العلا، ابن قرية نوب طريف بالسنبلاوين فى المنصورة، فى ذاكرته العديد من المواقف البطولية خلال الحرب، حيث كان أحد أفراد الكتيبة 35 فهد مالوتيكا، واستطاع أن يكون فى المرتبة الثانية على مستوى الكتيبة والثالثة على مستوى القوات المسلحة فى قنص الدبابات الصهيونية، بعدما دمر 18 دبابة وعربتين، والكتيبة كان تسليحها صواريخ مضادة للدبابات طراز ساجر السوفيتية، والمعروفة عند الاتحاد السوفيتى بالـ"مالوتيكا" وفى مصر بـ"الفهد"، كما ضمت تلك الكتيبة أيضا البطل الأول على مستوى القوات المسلحة فى قنص الدبابات محمد عبد العاطى الحاصل على وسام نجمة سيناء من الطبقة الثانية.

 

بداية  حكاية "عبد العال" تنطلق مع انضمامه للقوات المسلحة بعد النكسة بعامين 1969، حينها كان يشغل رتبة رقيب مؤهلات وحكمدار طاقم صواريخ فهد بالكتيبة 35، وكان يقود الكتيبة ككل المقدم محمد حسين طنطاوى قائد الكتيبة 16 من اللواء 16، وفيما اشتهر عنه أنه كان لا يحب الكلام، وكان يصفه المقدم عبد الجابر أحمد قائد كتيبته، بقوله: "شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين جسده نحيل خمرى اللون هادئ الملامح قليل الكلام كثير العمل والإنجازات يضحى كثيرا من أجل الجميع محبا لوطنه غيورًا على وحدته".

 

كانت مهمة إبراهيم خلال الحرب هى تأمين قيادة اللواء وجسر شط القناة، وتأمين عبور القوات من الغرب للشرق ورغم أن مهمته التى كلف بها كانت كبيرة؛ إلا أن التدريبات التى تلقاها كانت كفيلة بتحمله إياها وتحقيق الإنجازات،: "كنت أحد الذين تلقوا تدريبات شاقة جدا على استخدام الصاروخ الفهد، فلما اشتدت المحنة يوم الثامن من أكتوبر نجحت فى تدمير 6 دبابات خلال نصف ساعة، وفى اليوم التالى استطعت تدمير 12 دبابة أخرى"، وبتلك الحصيلة التى أسقطها إبراهيم وحده بالإضافة إلى ما أسقطه زملاؤه فى الكتيبة، تم منع تقدم أكثر من 40 دبابة معادية كان العدو دفع بها فى هجوم مضاد بهدف استعادة المواقع والوصول لشط القنال.

 

"14 ساعة".. كانت مدة تلك المعركة، والتى عرفت بمعركة المزرعة الصينية، تمكن إبراهيم ومن معه من الجنود من تدمير 27 دبابة بعدما بدأ الإسرائيليون الهجوم على موقع الكتيبة اعتبارا من 14 أكتوبر فى محاولة للاختراق والوصول للقناة، وكانت الكتيبة 16 مشاة فى المقدمة وعلى يسارها اللواء 16 مشاة، وهنا كان للمصريين خديعة أخرى حيث أمر القائد بحبس النيران لأكبر فترة ممكنة، كانت خلالها جميع دبابات الإسرائيليين فى مرمى أسلحتنا، وبإشارة ضوئية تم فتح جميع وسائل النيران على الإسرائيليين ففر من نجى منهم هاربًا، تاركين أسلحتهم ودباباتهم التى دمرت تحت سحب الأدخنة التى ظلت تنبعث منها على مدار اليوم.

 

وعلى الرغم من تدميره لـ18 دبابة وهو رقم ليس باليسير، إلا أن الرقيب إبراهيم عبد العال كان يطمح فى أن يدمر أكثر من ذلك حتى يحطم أعلى رقم من تدمير الدبابات فى حرب أكتوبر، ليس باحثًا عن مجد أو شهرة، وإنما لاسترداد حق أصدقائه الذين ماتوا وأسلحتهم الذين خسروها فى النكسة، وكانت الأقدار فى غير اتجاه حلمه،: "لولا الإصابة التى لحقت بقاعدة إطلاق الصواريخ لدى، لتمكنت من تدمير أكبر عدد ممكن من الدبابات"، ولصدق عزيمته وقوة إيمانه بالنصر وجهوده المبذولة فى الحرب،: "أقسم الرائد بسيونى على حملى على الأعناق والذهاب بى إلى رئاسة الجمهورية، وفعلًا شالنى ورحنا الرئاسة، حينها كرمنى الرئيس السادات بنوط الجمهورية العسكرى من الطبقة الأولى مكافأة على بطولاتى فى تدمير دبابات العدو".

 

ومن اللحظات الصعبة التى مرت على الكتيبة بعد تدمير تلك الدبابات، أنها أصبحت محط استهداف من قبل الجيش الصهيونى، لذا وضع الإسرائيليون خطة للقضاء على تلك المجموعة التى تهدد دباباتهم وتدمرها فأرسلوا بطاقم من القوات الخاصة لاصطياد أطقم قنص الدبابات المصرية،: "بفضل الله قمنا بمتابعتهم ونجحنا إحنا بقيادة الرائد بسيونى فى اقتناص عدد كبير منهم، وبعضهم فر هاربًا".

 

وليس هذا الموقف الصعب الذى مر بالرقيب وحده، بل له موقف مرير لولا ستر الله لما كان على قيد الحياة حتى الآن،: "خلال إحدى معارك الحرب كنت أوجه صاروخى على إحدى الدبابات، فسقط منى بطريق الخطأ، إلا أنه لحسن حظى سقط على 5 صهاينة فقتلهم"، وهذه من أبرز المواقف الصعبة التى مر بها، غير ذلك كانت الحرب عبارة عن سيمفونية رائعة عزفها هو وأصحابه بالتحام واصطفاف الشعب المصرى حولهم.

 

ويَذكر إبراهيم عبد العال والذى يعمل حاليًا مراجعا ماليا بمديرية الشئون الاجتماعية بمحافظة الدقهلية ورئيس حسابات بجمعية الأسر المنتجة، أنه حصل على العديد من الهدايا وقت الحرب ولعل من أبرزها نوط الجمهورية العسكرى من الطبقة الأولى 1974، وميدالية اللجنة المركزية، ودرع القوات المسلحة، وميدالية أكتوبر.

 

اللواء أيمن حب الدين.. حكاية عزيمة ولدت من رحم النكسة

اللواء أيمن حب الدين، كغيره من المصريين الذين كانت تلاحقهم مرارة الهزيمة، والذى فضل الحديث عن ذكريات النكسة التى انطلقت من خلالها عزيمة المصريين، بعد أن سلبت منهم أرضهم 6 سنوات:، "مجرد لما افتكر إننا قاعدين نتفرج على أرضنا 6 سنوات وهى بعيد عننا؛ أحس بالوجع"، فى تلك الأثناء كان عمره 23 عامًا ويحمل على كتفه رتبة نقيب، وقائدا لسرية رادار بالكتيبة 414 صواريخ مضادة للطيران، بمنطقة عيون موسى القريبة مسافة خمس كيلومترات عـــن رأس ســـدر بجنوب سيناء.

 

تكاد مشاهد يوم النكسة لا تغيب عن أعين الضابط العشرينى، رغم ما بلغ من السن الآن،: "8 يونيه 1967 الصبح كنا فى الموقع وقت لما واجهنا الطيران الإسرائيلى لأول مرة من موقع القنال المكشوف وغير المحصن"، حينها كان القصف يقع على المصريين بالقنابل والصواريخ والرشاشات وكانوا على ارتفاع منخفض كما يروى "حب الدين"،: "وبينما كنا نستعد للرحيل إلى منطقة المثلث شمال مدينة السويس، طبقًا لأمر الانسحاب من القيادة العامة للقوات المسلحة، كانت القوات الإسرائيلية تهاجم ممرات "متلا والعين السخنة وسفح جبل جنيفة"، وتمكنت من تدميرها جميعًا.

 

وبدأت وحدات الجيش المصرى تسارع الزمن، فى سباق مع أمواج البحر وتنفيذًا لقرار الانسحاب، للوصول إلى الشاطئ الغربى لقناة السويس بطريقة عشوائية غير منظمة أو مخططة، "فى الوقت ده والجنود فى البحر، صدرت لنا التعليمات بحماية القوات المنسحبة فى منطقة الجناين بالقرب من السويس"، حينها رأى "حب الدين"، من بين صفوف المقاتلين ما لا يتحمله أى مصرى غيور على بلده، "إسرائيل وصلت للضفة الشرقية للقناة وشوفناها وهى بترفع العلم الإسرائيلى".

 

لم يكن الجنود مدربين أو مجهزين كما يقول الرقيب آنذاك أيمن، إلا أنهم وقفوا مكتوفى الأيدى والعلم يرفرف ويستفز أعينهم التى لا تقبل ذلك المنظر إلا أنه ليس باليد حيلة،: "للأسف مكناش قادرين نعمل حاجة، كنا متسلحين بالرشاش القصير، وده كان أخره لا يتعدى نصف عرض قناة السويس ولا يساعدنا على اتخاذ أى إجراء أو خطوة فعلية، ولم يكن هناك بديل أمام القيادة لعدم وجود تشكيل مشاة متماسك أو مستعد لهذه المهمة سوى أننا نؤمن القوات المنسحبة".

 

استمرت المهمة حتى 16 يوليو 1967، وهم لم يتركوا أماكنهم ولم يتحركوا من موقعهم، حتى بدأت تتوافد عليهم بعض الوحدات من الأسلحة المشتركة من المشاة والصاعقة، والتى استطاعت القيادة العامة تجميعها لتأخذ مواقعها على الشاطئ الغربى للقناة وتتولى هى مسئولية الدفاع الأرضى على خط القتال الأول مع العدو،: "الموقف كان صعبا ومريرا".

 

الأمر لم يكن بالهين على الجنود، الذين وقعوا ضحية عدم التخطيط، مع تحمل حرارة شمس صيـــف سيناء المحرقة، وجنود العدو الذين أذاقوهم مر الهوان، ومن عذاب رؤية زملاؤهم وقادتهم يموتون غدرًا ومذلة من عدو خسيس، وهم متعبون منهكون مرهقون محبطون من هول ما حدث،: "باختصار شديد اللى حصل هزيمة عسكرية نكراء فقد فيها الجيش أكثر من 85% من أسلحته ومعداته، وفقد أيضًا روحه المعنوية وكثيرا من الثقة بالنفس".

 

ويتذكر أيضًا من المواقف النبيلة وقفة أبناء السويس وتحمل المسئولية الكريمة وهم يتلقفون الجنود العائدين من مشقة الانسـحاب سيرًا على الأقدام من عمق سيناء، ليخففوا عنهم آلام الموقف، ويحفزوهم على التحدى ويعيدوا لهم روحهم القتالية للانتقام وأخذ الثأر، وبالفعل كان فى حرب أكتوبر العظيمة، حرب رد الشرف".

 

ومن المواقف التى يتذكرها من ذاق مرارة النكسة والهزيمة، فى حرب رد شرفهم وحق أصدقائهم الذين وقعوا فى 67 وعلى الرغم من وجود معوقات إلا أنهم حاربوا بإيمان ويقين فكان النصر،: "الإصابات فى الكتيبة كانت جامدة، خلتنا نشتغل بنسبة 15% بس وكان بعض الشباب عزيمته تهتز خاصة بعدما سقطت كل الكتائب اللى معانا، إلا أننى وقفت أمامهم وحفزتهم بالعودة والقتال، وقدرنا من خلال إمكانات الـ15% اللى بنشتغل بيها نوقع طائرات العدو فى 13 أكتوبر"، وكانت لهم نسبة تزيد عن الربع بعدما أسقطوا 5 طائرات من إجمالى 17 طائرة سقطت فى ذلك اليوم.

 

"حب الدين" له لقطة فارقة فى تاريخ حرب أكتوبر يعلمها كل ما كان فى بورسعيد، وهو أنه أجبر سائق طائرة إسرائيلى على الهروب وإلقاء نفسه من طائرته بدون أن يكون معه صواريخ لضربه به،: "خدعته إلكترونيًا من خلال المنظار اللى عنده إنى شايل صاروخ وموجهه نحو الطائرة، والحقيقة أنا ماكنش معايا صواريخ، إلا أنه من جُبنه فط من الطائرة"، وهذا يدل على عظيم قدر المصريين فى حرب أكتوبر والذعر الذى أصابوه للعدو الصهيونى.

 

موضوعات متعلقة...

محمد حسن.. أول شهيد في حرب أكتوبر 73

بطل ملحمة كبريت.. إبراهيم عبد التواب آخر شهيد في الحرب

اقرأ أيضا