رئيس مجلس الإدارة
حمدان سعفان
رئيس التحرير
وليد الغمري
  صالح المسعودي

من ذاكرتي

تختلط عندي الأحاسيس عندما يمر أمامي شريط الذكريات ، فمنها المؤلم ، ومنها الطيب الذي أنطبع في ذاكرتي لأنه يمثل لي أهم فترة في مراحل حياتي منذ الطفولة حتى الآن ، فقد كانت تلك الفترة إبان حرب الاستنزاف أي من حرب 1967 م أو ( النكسة ) وما بعدها من حرب الاستنزاف وصولاً لحرب الكرامة أو حرب ( أكتوبر 1973 م ) والتي أثبت فيها الجيش المصري أنه بحق خير أجناد الأرض وقدم التضحيات دفاعاً عن كرامة أمة كاملة وليس دفاعاً عن جزء عزيز من تراب مصر

لم تكن ذاكرتي لتتوقف عند المعاناة التي عايشتها في طفولتي بسبب هذا العدوان وما نجم عنه حيث أجبرنا على الهجرة من منطقة القناة ( لأنها في ذلك الوقت منطقة عمليات عسكرية ) ومعايشتي للحالة التي أصبحنا عليها حيث تحولنا من أصحاب أملاك ودور إلى رحالة بين محافظات مصر ومن أصحاب بيوت ودوار إلى الإقامة في بيوت الشعر وبعض العشش التي تأوي الطيور وبعض الأغنام فقد خرجنا من منطقة القناة بملابسنا وما خف وزنه فالوقت خطير والعمليات العسكرية لا تتوقف

وسوف أختص في هذا المقال ( والدتي ) ومدى معاناتها وقوة تحملها وهنا سوف يتضح لك الفارق الكبير بين ما كان وألان بالنسبة للنساء عامة ، حيث تحولت والدتي من سيدة ( شبه حضرية ) كما هو توصيف أهل الريف إلى سيدة كادحة لا تكل ولا تمل من الابتسامة العريضة والتطمين المستمر لأبنائها الذين قابلوا تلك النقلة الحياتية بكثير من الغرابة والخوف أحياناً ، فكأني بها وهي تقوم بجمع سنابل القمح قبل حصدها من أرضنا البسيطة التي إستأجرناها ثم تقوم بضربها بعصا حتى تقوم بإخراج حبات القمح منها ، ثم بعد ذلك تطحن القمح في ( الرحى ) التي لم تفارقنا طيلة وجودنا في تلك الهجرة الصعبة حتى توفر لنا الطعام وأيضاً تخفف من حمل والدي الكبير فهو يحمل في عنقه أسرة كبيرة

رأيت والدتي وهي تحول ( الأقفاص ) المصنوعة من جريد النخل إلى أسرَة ننام عليها بديلاً عن الأسرة الخشبية ، رأيت والدتي تقوم على ( كي ) ملابسنا بذلك ( المكوي ) الحديد الذي يتم تسخينه على النار حتى نذهب إلى مدارسنا التي تبعد عن مكان إقامتنا ما يقرب من سبعة كيلومترات ونحن في أبهى صورة وكأننا نعيش في قصر ونمتلك الخدم ، رأيت والدتي وهي تراجع لنا الدروس بكل همة وتؤشر لنا على المكان الذي أعطانا له الأستاذ كواجب منزلي لأكتشف وأنا بالصف الأول الثانوي أن والدتي كانت لا تقرأ ولا تكتب ولكن كانت بفطرتها السليمة توحي لنا أنها تفهم في دراستنا مما يجعلنا نولي اهتمام أكبر بدراستنا لأن هناك رقابة منزلية

رأيت والدتي وهي تربي الطيور بأنواعها و( الأرانب ) لتعمل اكتفاء ذاتي للأسرة وحتى لا تكلف والدي فوق طاقته ، بالتأكيد كانت أيام صعبة في الشكل أما في المضمون فحدث ولا حرج ، فقد كان الجميع أسرة واحدة ، كنا نتقاسم أطباق(الإدام ) ولا ينام جارنا جوعان ، كنا لا نعرف الحقد ولا الغل ولا الحسد ، كنا نتزاور ونتشاور في كل شيء ، كان الشعب المصري متماسك بشكل عام فلا غني ينظر لفقير نظرة دونية ولا فقير ينظر لغني نظرة الحقد والغل

كانت الأسرة منتجة بكل ما تعني الكلمة فرب البيت مقتصد جداً في الشراء من الخارج ليس لقلة الأموال فقط ولكن لوفرة الخيرات ، فأتذكر أن منتجات الألبان لا تباع بين الجيران فقد كان هذا الأمر بمثابة فضيحة تلوكها ألسنة الناس ، وكانت القرية هي المنتجة والمدينة هي المستهلكة ، بل كانت فضيحة أيضاً أن تشتري الدقيق من خارج البيت فهذا أمر مدعاة للفقر وكان من تنقص عليه مئونة الدقيق مثلاً يكون مجبر لتهريب الدقيق لداره حتى لا يراه الجيران فتكون سبة في جبيه

أما الآن فحدث ولا حرج فقد تحول ريفنا لمستهلك فتجد السيدات يقفن في صفوف الخبز منذ الساعات الأولى للفجر ليحصلن على بعض الأرغفة التي لا تكاد تسد رمق الأسرة وقس على ذلك جميع المواد التموينية حتى منتجات الألبان التي كانت ميزة الريف الأساسية والمصدر شبه الوحيد لها تحول فيها الريف أيضاً لمستهلك وتلاشت فكرة الأسرة المنتجة بل تحولت قرانا لأسر مستهلكة ، ورغم أنني أكره أن أصدر الصورة القاتمة إلا أنني أجزم أن التغيرات الاجتماعية والثقافية أصبحت أسوأ من ذي قبل ، هذا لو كنا نتحدث عن مصر الحقيقية التي تعتمد دائماً على الترابط والعادات والتقاليد الأصيلة

وقد يتبادر لذهنك سؤال مهم إن كانت ذاكرتي قد توجهت لوالدتي فقط وحالة المجتمع فأين دور الرجال ؟ أقول لك أن الرجال في تلك الفترة العصيبة كان عليهم دور مضاعف من كد وتعب في الزراعة وتوفير الحياة الكريمة ، بالإضافة للمجهود الحربي ودورهم الوطني والمحاولات التي لا تكل ولا تمل للتسلل للموطن الأصلي في مدن القناة ومساعدة القوات المسلحة وأيضاً لمتابعة الأرض الزراعية هناك حتى لو أتت بالقليل فهي بالتأكيد سوف تساعد ولو باليسير في توفير حياة شبه كريمة لأسرهم ، نعم كنت شاهداً على مصر الجميلة حتى في أحلك الظروف

بلدنا اليوم
التعليقات
× تغطيات ومتابعات الرياضة الفن الحوادث خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات المقالات