رئيس مجلس الإدارة
د/ إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمري
زهران جلال

تنفيذ الأحكام القضائية الضمان الحقيقي لتحقيق العدالة واحترام الدستور والقانون

إنَّ صحَّة الفهم والفقه في القضية من أهمِّ ما يُساعد على القضاء العادل، ولا يكفي أن ينطق القاضي بالحكم العادل، بل عليه أن يُنفِّذه، وذلك بإعلان الحكم والإلزام به، ثُمَّ أخذ الحقِّ لصاحبه إذا رفض المدَّعى عليه تسليمه، والمساواة بين الجميع على حد سواء، فإذا اختلَّ أحدها تسرَّب الطمع إلى القوى بحيف القاضي، واليأس إلى الضعيف من العدل.

من مفاهيم الفاروق عمر بن الخطاب في كتابه لأبي موسي الأشعري الذي ولاه قضاء الكوفة وأصبحت دستورا علي مر التاريخ حتي وقتنا هذا.

فالأحكام الصادرة عن القضاء تقوم على أساس مبدأ المشروعية، ولا قيمة له مالم يقترن بمبدأ احترام الأحكام القضائية وكفالة تنفيذها، فالإدارة قد تخل بالتزامها بالتنفيذ باتخاذ عدد من الوسائل والصور التي تمكنها من التنصل من مسؤولية التنفيذ، فمع التسليم بصعوبة اتخاذ وسائل الجبر والإكراه ضد جهة الإدارة، إلا أن المشرع نظم بعض الطرق القانونية التي يلجأ لها لمواجهة امتناع تنفيذ الاحكام القضائية.

فتنفيذ الأحكام القضائية الضمان الحقيقي والتطبيق العملي للتوجيه الدستوري بكفالة حق التقاضي ، إذ إن مجرد النفاذ إلى القضاء في ذاته لا يعدُّ كافيا لضمان وحماية الحقوق، وإنما يقترن هذا النفاذ دائما بإزالة العوائق التي تحول دون تسوية الأوضاع الناشئة عن العدوان على تلك الحقوق بعد صدور الأحكام بإقرارها، وهو ما حرص دستور 1971 على تأكيده،و الدستور الحالي في ختامه للباب الرابع بنص المادة (100) من أن الامتناع عن تنفيذ الأحكام، أو تعطيل تنفيذها من جانب الموظفين العموميين المختصين جريمة يعاقب عليها القانون، ذلك أن تنفيذ الأحكام يندمج في الحق في التقاضي ويعدّ من متمماته لارتباطه بالغاية النهائية المقصودة منه ، وآية ذلك أن الخصومة القضائية لا تقام للدفاع عن مصلحة نظرية ولكن غايتها طلب منفعة يقرها القانون.

جميع الأحكام الصادرة من المحاكم تسرى فى شأنها القواعِد الخاصة بقوة الشيء المحكوم فيه، وبما يستوجبه ذلِك من الإلتزام بتنفيذ هذه الأحكام وإجراء مقتضاها، فلا يجوز الامتناع عن تنفيذ أى حكم صادر على سند من القول بأن المحكمة التى أصدرته لم تكن مختصة بنظر الدعوى ، إذ إن ذلك مردود بأن هذا الحكم يُعد من الأحكام واجبة النفاذ، ولا يجوز المجادلة فيما قضى به إلا باتباع طريق الطعن عليه خلال المواعيد المقررة قانونا.

وبالرغم من أن هناك العديد من الفتاوى والتشريعات والأحكام القضائية من محاكم مجلس الدولة التي حثت على ذلك الا أن هذا لا يكفي في الواقع ، فإذا نظرنا إلى وزارة العدل كجهة تنفيذ وتتبع السلطة التنفيذية ، ومنوط بها تطبيق القانون وتنظيم العمل في أروقة العدالة عامة التي تصدر الأحكام القضائية.

تجد وزارة العدل تتجاهل عشرات الأحكام القضائية واجبة النفاذ والتي أصبحت في أرشيف ديوان الوزارة ، فهناك أحكام قضائية عديدة منذ سنوات عديدة ممثلة في أحقية موظفين في مستحقات مالية ، وأخرى خاصة بتخطي تعيينات بالشهر العقاري والتوثيق، وعودة العمل علي سبيل المثال حكم المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية رقم ٤١٨٢ /٦٨ ق بجلسة ٢٠٢١/٨/٢٢ والصادر لصالح السيده / سعدية صابر يونس بتعويضا ماديا وأدبيا عن الأضرار التي لحقت بها عن الظلم والجور نتيجة التقصير والإمتناع عن تنفيذ الأحكام الصادرة لها من المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية رقم ٥٨٣٨ /٦٥ق بجلسة ٢٠٢٠/١٢/٢٦ بإلغاء قرار الجهة الادارية (مصلحة الشهر العقاري) بالإمتناع عن تنفيذ الحكم الصادر لها رقم ٣٨٢٧ / ٦٢ ق بجلسة ٢٠١٧/٢/٢٥ بأحقيتها في التعيين بمصلحة الشهر العقاري.

وكذلك الأحكام الصادرة لكلا من:_ السيده /إصلاح محمود حسين ، من نفس المحكمة الموقرة رقم ٢٧٥٣ / ٦٥ ق بجلسة ٢٠١٩/١٠/٢٦ بالغاء القرار السلبي بامتناع مصلحة الشهر العقاري عن تنفيذ الحكم الصادر لها في الدعوي رقم ٣٨٢٦ /٦٢ ق بجلسة ٢٠١٦/١١/٢٦ بأحقيتها في التعيين بذات الجهة ، وايضا الحكم الصادر للسيد/ احمد محمد السيد سليمان من المحكمة الادارية لرئاسة الجمهورية رقم ٦١٥٦ /٦٥ ق بجلسة ٢٠١٩/١٢/٢٨ بإلغاء قرار نفس الجهة بالإمتناع عن تنفيذ الحكم الصادر له في الدعوي رقم ٣٨٢٩ /٦٢ق بجلسة ٢٠١٦/١١/٢٦ بأحقيتة بالتعين بذات الجهة أيضا.

وعليه فقد تعودت هذه الجهة لعدم تنفيذ قرارات الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة وفتاوي مجلس الدولة واحكام القضاء وكمثال أخير حكم محكمة القضاء الإداري بالشرقية بإلغاء قرار مصلحة الشهر العقاري بتكليف باحثي التمويل والمحاسبة بأعمال مكتبية في الدعوي رقم ٩٥٢٥ /٢٢ ق بجلسة ٢٠١٩/١/٢٧.

ولم يقف عدم تنفيذ الأحكام القضائية النهائية لهذا الحد بل أيضا هناك أحكام خاصة بتخطي التعيين في وظيفة معاون بالنيابة الإدارية منذ اعوام ، وكذلك الوظائف الإدارية بالنيابة العامة ، وغير ذلك من الأحكام المختلفة واجبة النفاذ عند المنوط بهم تطبيق القانون وللأسف تجد من يقوم بتسويف تنفيذ الأحكام القضائية المنوط بهم تطبيقها ومراقبة تنفيذها والدفاع عنها .

وبالرغم أن امتناع الموظف عن تنفيذ حكم قضائي واجب النفاذ يعرضه للحبس والعزل من وظيفته، طبقاً لما نصت عليه المادة 123 من قانون العقوبات المصري، التي نصت على أنه يعاقب بالحبس والعزل كل موظف عمومي استعمل سلطة وظيفته فى وقف تنفيذ الأوامر الصادرة من الحكومة، أو أحكام القوانين واللوائح، أو تأخير تحصيل الأموال والرسوم، أو وقف تنفيذ حكم أو أمر صادر من المحكمة أو من أية جهة مختصة، كما يعاقب بالحبس والعزل كل موظف عمومي امتنع عمداً عن تنفيذ حكم أو أمر مما ذكر بعد مضى 8 أيام من إنذاره على يد محضر، إذا كان تنفيذ الحكم أو الأمر داخل فى اختصاص الموظف.

وعلى الرغم من كل ذلك إلا أن خطورة عدم تنفيذ الأحكام القضائية للجهات المنوط بها تطبيق القانون يعد أكبر خطورة تواجه احترام الدستور والقانون وحجة لغيرهم من الجهات التنفيذية الأخرى ، مما يهز من ثقة المواطن ودعوة صريحة للإحباط وفقدان الثقة وفي تقدير أي منصف يعد جريمة أخرى من المؤكد أن المشرع نظم ذلك في قانون العقوبات.

واختم مقالي بنصيحة عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه: "لا ينبغى للرجل أن يكون قاضياً حتى تكون فيه خمس خصال؛ من أراد أن يَصحبَنا فلْيَصحبْنا بِخمسٍ، يُوصل إلينا حاجة مَن لا تصل إلينا حاجته، ويدلّنا على العدل إلى مالا نَهتدى إليه، ويكون عوناً لنا على الحق، ويؤدى الأمانة إلينا وإلى الناس، ولا يغتاب عندنا أحد".

ثم قال: "ومَن لم يفعلْ فهو فى حرجٍ من صُحبتنا والدخول علينا، إنى لست بخيركم، ولكنى رجل منكم غير أنّ الله جعلنى أثقَلكم حِملاً" .

بلدنا اليوم
× الرئيسية آخر الأخبار تغطيات ومتابعات الرياضة المقالات الفن الحوادث خدمات خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات