مدير مركز أفق للدراسات العراقية: حصر السلاح بيد الدولة لا يعني نزع سلاح المقاومة
يشهد المشهد السياسي العراقي تحوّلًا لافتًا بعد إعلان فصائل مسلحة قبولها مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، عقب سنوات من الرفض القاطع لهذا الطرح، هذا التحوّل فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن دوافعه الحقيقية، وعلاقته بالانتخابات البرلمانية الأخيرة، وبالوجود الأميركي في العراق، فضلًا عن انعكاساته على مستقبل الدولة العراقية وسيادتها، في ظل ضغوط داخلية وإقليمية ودولية متشابكة.
في هذا السياق، يتحدث د. جمعة العطواني، مدير مركز أفق للدراسات العراقية، ل بلدنا اليوم عن قراءة أبعاد هذا التحوّل وتداعياته السياسية والأمنية. وفي مايلي نص الحوار:
ما الذي يفسّر التحوّل المفاجئ في موقف بعض فصائل المقاومة العراقية من الرفض القاطع إلى القبول بحصر السلاح بيد الدولة؟
هذا التحوّل لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام الذي يمر به العراق. نحن أمام ظروف استثنائية، أبرزها نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي حققت فيها فصائل المقاومة، بمختلف مشاربها، مكاسب كبيرة تُقدّر بنحو 300 مقعد، سواء بشكل مباشر أو عبر قوى سياسية متحالفة معها. هذا الإنجاز منح تلك الفصائل شعورًا بأنها أصبحت جزءًا أساسيًا من بنية الدولة، لا خارجها.
هل القبول بحصر السلاح نابع من قناعة داخلية أم نتيجة ضغوط داخلية وخارجية؟
القرار، وفق ما تطرحه فصائل المقاومة، نابع بالدرجة الأولى من قراءة وطنية للمرحلة، وليس استجابة لضغوط أميركية كما يُشاع. صحيح أن هناك ضغوطًا إقليمية ودولية، لكن الفصائل ترى أن الانتصارات السياسية التي حققتها، بالتوازي مع بدء تنفيذ الاتفاق الحكومي بشأن انسحاب قوات التحالف الدولي، وفّرت بيئة مناسبة للانتقال من العمل العسكري المستقل إلى العمل السياسي والمؤسساتي من داخل الدولة.
إلى أي مدى يرتبط هذا التحوّل بتعاظم الحضور السياسي للفصائل داخل البرلمان؟
الارتباط وثيق جدًا. عندما تحقق هذه القوى حضورًا سياسيًا وازنًا داخل البرلمان، فهي تنتقل من موقع الفعل العسكري إلى موقع التأثير السياسي. الفصائل تقارن نتائجها بنتائج بقية المكونات؛ فالقوى السنية حصلت على عدد محدود من المقاعد، والقوى الكردية قرابة 65 مقعدًا، والقوى الشيعية التقليدية نحو 100 مقعد، فيما حصلت قوى شيعية أخرى قريبة من المقاومة على نحو 29 مقعدًا. هذه الأرقام تعزز قناعة الفصائل بأنها باتت الدولة أو جزءًا أصيلًا منها.
هل نحن أمام انتقال حقيقي من منطق السلاح إلى منطق الدولة؟
نعم، ولكن مع ضرورة التمييز بين المفاهيم. فصائل المقاومة لا تتحدث عن نزع السلاح، بل عن حصر السلاح بيد الدولة. نزع السلاح يعني تسليم السلاح وإنهاء الوجود العسكري، وهذا مرفوض بالنسبة لها. أما حصر السلاح، فيعني بقاء السلاح والقدرات العسكرية بيد المقاتلين، لكن ضمن إطار رسمي، من خلال الانضواء الكامل تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي والعمل وفق أوامر الدولة العراقية.
ما حجم الدور الأميركي في هذا الملف؟ وهل توجد تفاهمات غير معلنة بين بغداد وواشنطن؟
الولايات المتحدة لعبت ولا تزال تلعب دورًا مؤثرًا في المشهد العراقي، ليس فقط عبر الوجود العسكري، بل من خلال المسارات السياسية. هناك اتفاق حكومي معلن بشأن انسحاب قوات التحالف الدولي، وقد بدأ بالفعل بانسحاب القوات الأميركية من قاعدة عين الأسد وقاعدة مطار بغداد، على أن يكتمل الانسحاب في سبتمبر/أيلول 2026. بعض الأطراف تربط بين هذا المسار وبين قرار فصائل المقاومة، لكن الفصائل تؤكد أن قرارها ليس ثمرة تفاهمات سرية، بل نتيجة معادلات داخلية وتغيّرات إقليمية.
■ كيف تقرأون استمرار رفض بعض الفصائل لمبدأ نزع السلاح؟ وهل يشكّل ذلك انقسامًا حقيقيًا؟
الرفض لا يتعلق بمبدأ تنظيم السلاح، بل بالمخاوف من تفسير نزع السلاح بشكل خاطئ. الانقسام هنا ليس جذريًا، وإنما خلاف على المصطلحات والضمانات. معظم الفصائل تتفق على حصر السلاح بيد الدولة، لكنها تختلف في آليات التنفيذ وضمان عدم استهدافها سياسيًا أو أمنيًا لاحقًا.
ما فرص نجاح مسار حصر السلاح بيد الدولة في ظل غياب آلية واضحة؟
النجاح مرهون بوجود ضمانات حقيقية وآلية واضحة وشفافة، وبأن يكون القرار وطنيًا خالصًا بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. دمج المقاتلين ضمن هيئة الحشد الشعبي، وبقاء السلاح والقدرات ضمن إطار الدولة، يمكن أن يشكّل خطوة واقعية لترسيخ السيادة، إذا ما اقترن بإرادة سياسية جادة.
هل يمكن أن يتحوّل هذا المسار إلى خطوة جدية لترسيخ سيادة الدولة العراقية؟
إذا ما استُكمل انسحاب القوات الأجنبية، واحترمت الدولة التزاماتها تجاه الفصائل، وتم التعامل مع الملف بمنطق الشراكة لا الإقصاء، فإن هذا المسار قد يتحول فعلًا إلى محطة مفصلية في بناء دولة عراقية قوية، قادرة على إدارة السلاح ضمن مؤسساتها، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية بثقة أكبر.