بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

القضية الكردية: السلام برعاية إقليمية ودولية

بلدنا اليوم

 بعد عقود طويلة من الصراع المسلح والاضطهاد السياسي، تقف القضية الكردية اليوم عند لحظة مفصلية تعيد طرح الحل السلمي بوصفه الخيار الأكثر واقعية لإنهاء واحدة من أعقد قضايا الشرق الأوسط. فمنذ الانتفاضات الكردية الأولى، مرورًا باتفاقيات لم تصمد طويلًا، دفعت القومية الكردية أثمانًا باهظة من الدم والدمار مقابل تثبيت وجودها السياسي وانتزاع الاعتراف بهويتها القومية.  

الحكم الذاتي والتحول الدستوري

شكّلت تجربة الحكم الذاتي في إقليم كردستان العراق محطة مفصلية في مسار القضية الكردية، تُوّجت بالاعتراف الدستوري بعد عام 2003. هذا التحول نقل القضية من مربع الصراع المفتوح إلى إطار الشراكة السياسية داخل الدولة، وأعاد تعريف العلاقة بين المركز والإقليم على أساس قانوني، مقدّمًا نموذجًا عمليًا لحل جزء من القضية ضمن الدولة الوطنية.  

هواجس الإقليم وحدود الحل المحلي

أثار النموذج الكردي في العراق مخاوف دول الجوار، لا سيما تركيا وإيران وسوريا، خشية امتداد تأثيره إلى أجزائها الداخلية. ورغم سعي الدبلوماسية الكردية إلى طمأنة هذه الدول والتأكيد على أن التجربة لا تستهدف تصدير الانفصال، إلا أن هذه الهواجس كشفت بوضوح حدود الحلول المحلية، وأبرزت الحاجة إلى مظلة إقليمية ودولية قادرة على توفير الضمانات ومنع الانتكاس.  

الحل السياسي والحوار برعاية دولية

أثبتت التجارب أن المقاربة العسكرية لم تنجح في إنهاء القضية الكردية، بل زادت من كلفتها الإنسانية والسياسية. في المقابل، برز الحل السياسي القائم على الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية، وتعزيز المشاركة السياسية، وتكريس اللامركزية أو صيغ الحكم الذاتي، بوصفه المسار الأكثر قابلية للاستمرار. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بحوار جاد، ووقف للعنف، وبناء الثقة بين الحكومات والقوى الكردية، بدعم ورعاية إقليمية ودولية فاعلة.

الحقوق الثقافية والتنمية كركيزة للاستقرار  

لا يمكن فصل الحل السياسي عن الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية وحماية الهوية الكردية، باعتبارها ركيزة أساسية لدمج الكرد داخل مجتمعاتهم الوطنية دون إقصاء أو إنكار. كما تمثل التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية عنصرًا حاسمًا في استقرار المناطق الكردية، إذ إن معالجة التهميش والفجوات التنموية تسهم في تجفيف منابع الصراع وتعزيز فرص السلام المستدام.

السلام كضرورة إقليمية ودولية

يبقى للمجتمع الدولي دور ضامن في دعم مسارات الحوار، وتوفير بيئة تفاوضية عادلة، ومراقبة تنفيذ أي اتفاقيات سياسية. وفي هذا السياق، تبرز رؤية «الأمة الديمقراطية» التي طرحها عبد الله أوجلان، بوصفها تصورًا بديلًا يقوم على التعايش بين الهويات، والديمقراطية التشاركية، وتفكيك منطق الدولة القومية الصلبة دون تهديد وحدة الدول.  
خلاصة القول، إن الخيار السلمي لم يعد ترفًا سياسيًا في مسار القضية الكردية، بل ضرورة تاريخية تفرضها كلفة الصراع، وتحولات الإقليم، وحاجة شعوبه إلى الاستقرار. فبين استمرار النزاع أو البحث عن تسوية عادلة برعاية إقليمية ودولية، يبدو السلام الطريق الوحيد القادر على حفظ الحقوق ومنع تكرار المآسي.

تم نسخ الرابط