حين يصبح السعر وهمًا.. لماذا لم يعد الغلاء هو القصة الحقيقية؟
في ظل التحديات العالمية، ومع كم النقاش العالمي على مختلف الأصعدة الاقتصادية والسياسية وغيرها من الإضطرابات الأخرى، يبقى النظر حول المرحلة التي يفقد فيها السعر وظيفته كمؤشر للقيمة، ويتحول إلى انعكاس للخوف والتوقعات أكثر من كونه نتيجة للعرض والطلب، فهذا مصطلح " الاقتصاد العالمي لا يمر فقط بدورة تضخم أو انكماش".
ومع هذا المشاهد المتزايد حول النقاش العالمي المحتدم حول التضخم، ورفع أسعار الفائدة عالميًا، وتقلبات الأسواق، يغيب السؤال الأخطر:" هل ما زال السعر يعكس القيمة الحقيقة؟"
ماذا يواجه الاقتصاد العالمي؟
حسب البيانات الصادرة من قبل المؤسسات الدولية الكُبرى، فإن الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي لا يواجه أزمة ارتفاع أسعار فقط، بل تمدد الأزمة إلى "فقدان السعر لوظيفته الأساسية" كونها المؤشر الاقتصادي الموثوق.
فالمؤشرات الصادرة عن البنك الدولي في أبريل ٢٠٢٥، توقعت بخفض أسعار السلع عالميًا بنسبة تصل إلى ١٢٪ خلال العام الماضي، مما تمدد دائرة التراجع لـ ٥٪ في ٢٠٢٦، وبذلك تصل لأدنى مستوياتها منذ الفترة قبل كورونا، بل أقل من متوسط الفترة بين أعوام من ٢٠١٥ لـ ٢٠١٩.
وبالمعنى الصريح، يُفترض بأن هذا التراجع يُساهم إلى حد كبير في تخفيف الضغوط الاقتصادية على المستهلكين، مع تحسين مؤشرات الاستقرار الاقتصادي، إلا أن الوقع يشقعر صورته الحقيقة عالميًا، إذ لا تزال فترة القلق وعدم اليقين تهيمن على قرارات المستثمر بل تمدد إلى الأسر كذلك.
في مؤشرات "الفيدرالي" فإن متوسط سعر الخام "برنت" تراجع من ٦٤ لـ ٦٠ خلال عامي ٢٠٢٥ وحتى بداية ٢٠٢٦، وهذا مؤشر إيجابي، يأتي مدفوعًا في ضعف الطلب العالمي وزيادة المعروض، خاصة وأن ذلك يصب في مجالات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.
وحتى أن وكالة رويتزر، أعلنت بأن أسعار النفط تراجعت سنويًا من ١٥ لـ ٢٠٪ خلال عام ٢٠٢٥، ويعد أكبر تراجعًا شهده الخام منذ الجائحة كورونا التي بدأت في ٢٠٢٠، إلا أن هذا التراجع لم ينعكس بالكثير على أسعار الطاقة النهائية للمستهلك في العديد من الدول، ما يخلق فجوة واضحة بين السعر العالمي والتكلفة المحلية، ويعزز الشعور بأن السعر لم يعد مرآة حقيقية للتكلفة أو للعرض والطلب.

الغذاء والفحم.. أرقام هابطة بلا أثر مطمئن
بحسب تقرير البنك الدولي نفسه، من المتوقع أن تنخفض أسعار المواد الغذائية عالميًا بنحو 7% في 2025، مع تراجع إضافي طفيف في 2026، في حين يُنتظر أن تهبط أسعار الفحم بنسبة 27% في 2025 ثم 5% أخرى في العام التالي .
هذه الأرقام تعكس تباطؤًا اقتصاديًا عالميًا أكثر مما تعكس تحسنًا في كفاءة الأسواق، حيث يأتي الانخفاض نتيجة ضعف الطلب، لا نتيجة وفرة مستدامة أو تحسن في الإنتاجية.
ى
الذهب يصعد.. حين تفقد الأسعار معناها
على النقيض من السلع الأساسية، واصل الذهب صعوده القوي، مسجلاً مستويات قياسية تجاوزت 4300 دولار للأوقية خلال 2025، وفق تقارير الأسواق العالمية، مدفوعًا بإقبال المستثمرين على الملاذات الآمنة في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي .
هذا التباين الحاد بين هبوط أسعار السلع الأساسية وصعود الذهب يعكس حقيقة جوهرية: الأسواق لم تعد تسعّر الحاضر، بل تسعّر الخوف من المستقبل.

السعر يتحول من مؤشر اقتصادي إلى أداة توقع
تقليديًا، كان السعر نتيجة مباشرة لتفاعل العرض والطلب، أما اليوم، فقد أصبح انعكاسًا لعوامل أكثر تعقيدًا:
- توقعات الأسواق المستقبلية
- سياسات نقدية مشددة أو متقلبة
- تحركات رؤوس الأموال السريعة
الخاسر الأكبر
بعد تحليل واضح للمشهد الاقتصادي العالمي، فإن الخاسر الأكبر للمستهلك، نظرًا لأن ذلك يفقد قدرته على التخطيط المالي، من أجل أن تتحول قرارات الشراء من حسابات عقلانية لردود أفعال قائمة على الخوف، لتكمن هذه الخطورة مفهوم التوتر الاجتماعي الصامت.
إذ أن خفض الأسعار لا يعيد الثقة ورفع الفائدة لا يُعالج المشكلة، بل الأزمة الحقيقية تكمن في معناه.