صلاح بابان: الخلافات الكوردية الداخلية أضعفت موقع الإقليم في بغداد والمنطقة
في ظل تحولات إقليمية متسارعة وتشابك الملفات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، يواجه إقليم كردستان العراق تحديات داخلية وخارجية أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول موقعه في توازنات المنطقة، ومدى تأثيره في الملفات الكوردية العابرة للحدود.
في هذا الحوار، يقدّم الكاتب والصحافي الاستقصائي العراقي صلاح حسن بابان قراءة معمّقة لواقع الإقليم، وأزماته السياسية والاقتصادية، وحدود دوره الإقليمي، إضافة إلى رؤيته لعدد من الملفات الإقليمية الحساسة وانعكاساتها على المشهد الكوردي والعراقي، وفيما يلي نص الحوار:
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، كيف تقيّمون موقع إقليم كردستان العراق اليوم في توازنات المنطقة؟ وهل بات لاعبًا لا يمكن تجاوزه في ملفات تتجاوز الشأن الداخلي العراقي؟
يعانى إقليم كردستان العراق خلال العقد الأخير من أزمات سياسية ومالية واقتصادية كبيرة، سواء على المستوى الداخلي بين الأحزاب الكوردية، أو في علاقته مع الحكومة المركزية في بغداد، وقد انعكس ذلك سلبًا على مكانته السياسية والاقتصادية مع الدول الإقليمية، لا سيما بعد توقف تصدير نفطه قبل نحو عامين، إثر قرار محكمة باريس في مطلع عام 2023، على خلفية شكوى تقدمت بها الحكومة العراقية.
أمام هذه الأزمات، لم يعد الإقليم يتمتع بالمكانة التي كان يُعرف بها سابقًا، خصوصًا مع تعمق الصراعات الأمنية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وقد اعتبرت طهران الإقليم طرفًا مواليًا لواشنطن، ما أدى إلى تعرّض مناطق كردية لقصف إيراني عنيف خلال السنوات الثلاث الماضية.
إضافة إلى ذلك، تواجه كردستان مشكلات مزمنة، أبرزها تأخر صرف رواتب الموظفين منذ قرابة عقد من الزمن، إلى جانب الخلافات الداخلية بين الحزبين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حول آلية توزيع المناصب، خاصة منصبي رئيس الإقليم ورئيس الحكومة. هذه الخلافات حالت دون تشكيل حكومة جديدة منذ أكثر من عام على إجراء انتخابات برلمان كردستان. كما تراجع الموقف الكوردي بشكل واضح بسبب الخلافات العلنية حول منصب رئيس الجمهورية العراقية، الذي جرى العرف السياسي بعد عام 2003 على منحه للمكوّن الكوردي، وللاتحاد الوطني تحديدًا، في حين ظهرت مؤخرًا مواقف معارضة من الحزب الديمقراطي، ما أضعف الموقف الكردي في بغداد، وأفقده دوره السابق بوصفه «بيضة القبان» خلال العقد الأول بعد الاحتلال.
ما الدور الذي يمكن أن يلعبه إقليم كردستان في المساهمة بتسوية ملف حزب العمال الكردستاني، خاصة في ظل التحسن الملحوظ في العلاقة بين أربيل وتركيا؟
لا أعتقد أن إقليم كردستان يمتلك القوة السياسية أو التأثير الميداني القادر على إحداث تغيير حقيقي في الصراع الكوردي–التركي، وهو صراع ممتد منذ عقود. فالإقليم ما زال خاضعًا لتأثير دولتين إقليميتين أساسيتين هما إيران وتركيا. وإذا ما ظهر أي دور للإقليم في هذا الملف، فسيكون في تقديري وفق التوجهات التركية أولًا، ثم الإيرانية ثانيًا، ما يجعل هذا الدور شكليًا وإعلاميًا وهامشيًا، دون تأثير فعلي على مسار الصراع.
في ظل الحساسية الإقليمية المحيطة بملف «قسد»، كيف يوازن الاتحاد الوطني الكردستاني بين دعمه لحقوق الأكراد في شمال سوريا، والحفاظ على استقرار إقليم كردستان وعلاقاته مع بغداد وأنقرة؟
من المعروف أن الاتحاد الوطني الكردستاني يتبنى موقفًا داعمًا ومدافعًا عن المكون الكردي في سوريا، وهو ما أثار غضب تركيا خلال السنوات الماضية، وأدى إلى فرض حظر جوي على مطار السليمانية الدولي الخاضع لسلطته. وخلال الحرب على تنظيم داعش، قدّم الاتحاد الوطني مساعدات عسكرية ومالية وإنسانية كبيرة لقوات «قسد»، وهو أمر بات واضحًا للجميع. في المقابل، يمتلك الاتحاد علاقات قوية مع عدد من الأحزاب الشيعية والسنية في بغداد، لا سيما الجماعات المحسوبة على الفصائل المسلحة، ما منحه نفوذًا أوسع في العاصمة العراقية، مقارنة بالحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي دخل في مهاترات إعلامية وسياسية مع قوى شيعية نافذة. وأعتقد أن دور الاتحاد الوطني في بغداد مرشح للازدياد خلال السنوات المقبلة، بعدما نجح في بناء قاعدة نفوذ قوية، مستفيدًا من الخلافات المتصاعدة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والأحزاب المؤثرة في المشهد السياسي العراقي.