بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

د. سماء سليمان تكتب: إيران بين مخاوف المنطقة ومحاولات تحجيم الشرق

د. سماء سليمان
د. سماء سليمان

لم يعد المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط يُقرأ من زاوية الصراعات التقليدية بين دول متجاورة، بل بات جزءًا من صراع أوسع على طبيعة النظام الدولي نفسه. وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال شديد الحساسية: هل أصبحت إيران – رغم كل الخلافات معها – خط الدفاع الأخير عن بقاء التوازن في المنطقة والشرق؟ سؤال قد يبدو صادمًا للبعض، لكنه يفرض نفسه في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط والنظام الدولي ككل.

فالمسألة لم تعد خلافًا سياسيًا أو صراع نفوذ تقليدي، بل باتت تتعلق ببقاء الدول، وحدود الفوضى، ومن يمتلك حق إعادة تشكيل المنطقة.
خلال العقد الأخير، بدأت العديد من الدول العربية تعيد قراءة المشهد الاستراتيجي بعيدًا عن الشعارات والاصطفافات القديمة. هناك إدراك متزايد بأن الخطر الأكبر على بقاء الدول العربية والإقليمية لا يكمن فقط في الخلافات الداخلية أو التنافس الإقليمي، بل في المشروع الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا، والذي يقوم على تفكيك مراكز القوة في المنطقة وتحويلها إلى كيانات ضعيفة أو فاشلة. هذا المشروع لا يستثني أحدًا، لا دول الطوق، ولا الخليج، ولا حتى تركيا، لأن منطق الهيمنة لا يقبل بوجود قوى مستقلة قادرة على القرار.

في هذا السياق، تبرز إيران كعقدة استراتيجية أساسية. فالدفع الأمريكي–الإسرائيلي المستمر نحو ضرب إيران أو إسقاط نظامها لا يرتبط فقط ببرنامجها النووي، بل بدورها كقوة إقليمية تملك جيشًا منظمًا، وقدرات صاروخية، وموقعًا جغرافيًا حاسمًا، وموارد طاقة ضخمة. السيناريو المطروح ليس ضربة محدودة أو ردعًا تكتيكيًا، بل عملية تفكيك شاملة: تدمير الجيش، شل البنية التحتية النفطية، إنهاك الاقتصاد، ثم دفع البلاد إلى فوضى داخلية طويلة الأمد.

هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجارب العراق وليبيا وسوريا، حيث أدى إسقاط الدولة إلى فتح أبواب الفوضى، وليس إلى الاستقرار. ولذلك، فإن كثيرًا من الدول العربية باتت ترى أن ضرب إيران لن يكون نهاية الخطر، بل بدايته. فبعد سقوط إيران، ستدخل المنطقة ما يمكن تسميته بالمرحلة الثانية من الفوضى، حيث تنتقل مشاريع التفكيك إلى دول أخرى تحت ذرائع جديدة: حماية أمن الطاقة، تأمين الممرات البحرية، أو مواجهة تهديدات يتم تصنيعها سياسيًا وإعلاميًا.

من هنا يمكن فهم التحركات الهادئة التي تقودها دول مثل مصر، وعدد من دول الخليج، وتركيا، لمنع اندلاع حرب شاملة ضد إيران. هذه الدول لا تنطلق من تعاطف أيديولوجي مع طهران، ولا من تطابق سياسي معها، بل من حسابات أمن قومي، حيث تدرم مصر أن انهيار التوازن الإقليمي سيضعف الدولة الوطنية العربية، ويعيد المنطقة إلى زمن الوصاية والتدخل المباشر. دول الخليج، رغم خلافاتها العميقة مع إيران، تعلم أن أي حرب كبرى ستجعل منشآتها النفطية وممراتها البحرية في مرمى النيران، وأن الضمانات الأمريكية لن تحمي اقتصاداتها من الانهيار. أما تركيا، فترى في سقوط إيران خطرًا مباشرًا على أمنها القومي، من خلال فراغ أمني واسع، وتصاعد النزعات الانفصالية، وامتداد الفوضى إلى حدودها الشرقية.

في هذا الإطار، يمكن القول إن إيران تحولت، بحكم الواقع لا النوايا، إلى خط دفاع أخير عن بقاء الحد الأدنى من التوازن في المنطقة. هذا لا يعني تبرئة سياساتها أو اعتبارها نموذجًا يُحتذى، بل الاعتراف بأن وجود دولة إقليمية قوية خارج السيطرة الكاملة للمحور الأمريكي–الإسرائيلي يمنع التفرد المطلق بالشرق الأوسط. 
إن سقوط إيران سيعني فتح الباب أمام إعادة رسم الخرائط السياسية والاقتصادية والأمنية للمنطقة، دون أي قوة قادرة على الردع أو الاعتراض.

على المستوى الدولي، لا يمكن فصل هذا المشهد عن مصالح روسيا والصين. فإيران تمثل لروسيا آخر موطئ قدم استراتيجي حقيقي في الشرق الأوسط، وشريكًا في كبح التمدد الغربي، وعنصر توازن في خاصرتها الجنوبية. 

أما الصين، فتنظر إلى إيران باعتبارها مصدرًا حيويًا للطاقة، وجزءًا أساسيًا من مشروع “الحزام والطريق”، وضمانة استراتيجية بعد تشديد الولايات المتحدة سيطرتها على مصادر النفط في مناطق أخرى، وعلى رأسها فنزويلا. لذلك، فإن أي محاولة لإسقاط إيران لن تمر دون مقاومة سياسية واقتصادية دولية، حتى وإن لم تأخذ شكل مواجهة عسكرية مباشرة.
المفارقة الكبرى أن كثيرًا من دول المنطقة باتت ترى في بقاء إيران القوية – رغم كل الخلافات معها – أقل كلفة من سقوطها. 

فوجودها يفرض توازنًا هشًا، لكنه يمنع الانهيار الشامل. أما غيابها، فسيطلق سلسلة من التدخلات والصراعات لا يمكن التحكم في مسارها أو نتائجها، وستكون إسرائيل المستفيد الأول من شرق أوسط مفكك، ضعيف، ومنشغل بصراعات داخلية لا تنتهي.

في النهاية، يمكن القول إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما الحفاظ على توازن قلق يمنع الانفجار الكبير، أو الانزلاق إلى فوضى شاملة تعيد المنطقة عقودًا إلى الوراء. وفي هذا السياق المعقد، أصبحت إيران، شاءت أم أبت، خط الدفاع الأخير عن بقاء المنطقة خارج الهيمنة الكاملة، ليس لأنها الخيار الأفضل، بل لأنها الحاجز الأخير قبل السقوط في المجهول.

تم نسخ الرابط