الدكتورة سماء سليمان تكتب: إيران.. الحصار بلا حرب
حين نحاول فهم ما يجري في المنطقة اليوم، قد نخطئ إن تعاملنا معه كأزمات منفصلة أو ردود أفعال عشوائية. ما يحدث أقرب إلى مسار طويل ومدروس، يقوم على فكرة بسيطة لكنها فعّالة: تقليص النفوذ لا يتطلب حربًا شاملة، بل ضغطًا متراكمًا، موزعًا على ساحات متعددة، وبأدوات مختلفة. هكذا يُدار المشهد من اليمن إلى لبنان، ومن فلسطين إلى العراق، حيث يتقدّم الحصار خطوة، ويتراجع الصدام خطوة، لكن الاتجاه العام يبقى واحدًا.
في اليمن، لا تبدو الحرب مصمَّمة على الحسم، بل على الاستنزاف. سنوات من القتال بلا نهاية واضحة، وكلفة إنسانية عالية، وضغط سياسي وإعلامي دائم. في هذا السياق، يتحول أي نفوذ خارجي، وخصوصًا النفوذ الإيراني، من ورقة قوة إلى عبء ثقيل. كل يوم يمر من دون حل يُضاف إلى سجل الاتهام، وتُستخدم المأساة الإنسانية كورقة ضغط في المحافل الدولية. هذا النمط من الصراع ينسجم مع ما قاله هنري كيسنجر ذات مرة حين اعتبر أن الحروب التي لا تُحسم قد تكون أكثر فاعلية سياسيًا من الحروب السريعة، لأن الهدف لا يكون الانتصار، بل إعادة تشكيل سلوك الخصم على المدى الطويل.
في لبنان، تُستخدم أدوات أكثر نعومة لكنها لا تقل قسوة. الدولة تُترك لتنهار، الاقتصاد يتفكك، والمؤسسات تفقد قدرتها على العمل. لا حصار عسكري مباشر، بل حصار مالي وسياسي، يُقال من خلاله إن أي إنقاذ مشروط بإعادة ترتيب الداخل. الرسالة غير المعلنة موجهة إلى المجتمع قبل أن تكون موجهة إلى حزب الله، فكلفة بقاء موازين القوة كما هي أعلى من قدرة البلد على الاحتمال. بين من يرى في ذلك محاولة واضحة لكسر سلاح المقاومة، ومن يراه ابتزازًا سياسيًا يطال الجميع، يبقى لبنان عالقًا في منطقة رمادية، لا هو قادر على الخروج من أزمته ولا على تغيير قواعد اللعبة.
أما في فلسطين، فالصورة أكثر تعقيدًا. الدعم الخارجي للمقاومة، خصوصًا حين يكون إيرانيًا، يُواجَه بحصار وتجريم وضرب للبنية المدنية،. والمفارقة أن هذا الأسلوب لم يُلغِ التأثير الإيراني، بل غيّر شكله. فلم يعد نفوذًا صاخبًا ومعلنًا، بل حضورًا صامتًا، يستمد قوته من الاستمرار لا من الظهور. كأن الحصار نجح في تقليص المساحة، لكنه فشل في كسر الفكرة.
العراق، مع ذلك، يبقى الساحة الأشد حساسية. هنا لا أتحدث عن نفوذ طارئ، بل عن نفوذ تشكّل في لحظات انهيار الدولة وصعود الخطر الوجودي. لذلك، فإن محاولات تقييده لا يمكن أن تكون مباشرة أو فجّة. من هذا المنطلق، يثير ملف نقل أعداد من عناصر تنظيم داعش من سوريا إلى مناطق قريبة من الحدود العراقية قلقًا واسعًا. هناك من يرى في هذه الخطوة إعادة تدوير للخطر، واستخدامًا لشبح الإرهاب كورقة ضغط، تهدف إلى إعادة فتح ملف السلاح خارج الدولة، ودفع الحشد الشعبي إلى زاوية الاتهام أو الإحراج، تمهيدًا لتحجيم دوره أو نزع سلاحه.
هذا النوع من المقاربات يذكّر بما قاله المفكر الأمريكي نعومي تشومسكي حين تحدث عن “إدارة الفوضى” بدل السيطرة المباشرة، معتبرًا أن القوى الكبرى حين تعجز عن فرض إرادتها بشكل صريح، تلجأ إلى خلق بيئات غير مستقرة تُستَخدم فيها التهديدات القديمة بأشكال جديدة، ليس للقضاء عليها، بل للتحكم في مسارها وتوظيفها سياسيًا.
في المقابل، يرفض آخرون هذا الربط، معتبرين أن الملف أمني وقانوني معقّد، وأن تضخيمه يدخل في باب التفسير السياسي أكثر من التحليل الواقعي. فريق ثالث يذهب أبعد من ذلك، ويرى أن المشكلة ليست خارجية فقط، بل داخلية أيضًا، حيث تُستَخدم المخاطر الأمنية في الصراع بين القوى العراقية نفسها، ويُعاد توظيف الخوف بحسب الحاجة السياسية.
وسط هذا المشهد المتشابك، يدفع للبحث عن طريقة تعامل إيران مع هذا المشهد التي ترى فيه أن هامش حركتها في العراق يتعرض لضغط متزايد. فالتجربة تشير إلى أن طهران نادرًا ما تختار المواجهة المباشرة حين تُحاصر. ويقوم سلوكها المعتاد على التكيّف، وإعادة التموضع، وتغيير الأدوات بدل تغيير الهدف. ومن غير المرجح أن تتخلى عن العراق، لكنه من المرجح أن تعيد صياغة حضورها فيه. قد نشهد تقليلًا للظهور العسكري المباشر، وزيادة في الاستثمار السياسي، ومحاولة لتعميق النفوذ داخل المؤسسات بدل البقاء في الواجهة.
إيران تدرك أن الصدام المفتوح في العراق سيكون مكلفًا لها ولحلفائها، كما تدرك أن التمسك بالنموذج القديم للنفوذ قد يمنح خصومها الذريعة التي يبحثون عنها. لذلك، قد يكون الخيار هو شراء الوقت، وتخفيف الاحتكاك، وانتظار تبدل موازين إقليمية أوسع، بدل الدخول في معركة استنزاف جديدة.
في النهاية، ما نعيشه اليوم ليس مرحلة سلام ولا حرب، بل حالة وسطى تُدار فيها الصراعات بوسائل غير تقليدية. الحصار هنا ليس جدارًا، بل شبكة، والضغط ليس ضربة واحدة، بل تراكم بطيء. والهدف ليس نجاح هذا الأسلوب في تقليص النفوذ الإيراني، بل أي ثمن ستدفعه الدول والمجتمعات التي تتحول ساحاتها إلى مساحات اختبار دائمة. التاريخ القريب يقول إن الحصار قد يغيّر الأشكال، لكنه نادرًا ما يُنهي الصراعات، بل يؤجلها إلى لحظة أكثر تعقيدًا.