الدكتورة سماء سليمان تكتب: إيران كمسرح عمليات.. حرب اختبار القدرات بين أمريكا وروسيا والصين
لم تعد التهديدات الأمريكية المتكررة تجاه إيران، ولا سيما في ظل تصاعد الحرب في غزة منذ العدوان الإسرائيلي على القطاع، مجرد أدوات ضغط سياسية أو رسائل ردع تقليدية. فالمشهدان الإقليمي والدولي يشيران بوضوح إلى أن أي مواجهة عسكرية مع إيران، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، ستتجاوز الإطار الإقليمي الضيق، لتتحول إلى ساحة اختبار دولية لقدرات القوى الكبرى. وفي هذا السياق، تبدو إيران مرشحة لأن تكون مسرح عمليات تُقاس فيه فعالية القوة الأمريكية من جهة، وقدرة روسيا والصين على حماية نفوذهما ومقارباتهما العسكرية غير الغربية من جهة أخرى، في مجالات تتجاوز السلاح التقليدي لتشمل الدفاعات الجوية، والحرب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي.
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة، شهد الشرق الأوسط واحدة من أوسع عمليات إعادة التمركز العسكري الأمريكي خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث الحجم أو نوعية القوات والأنظمة المنتشرة. فقد دفعت الولايات المتحدة بمجموعات ضاربة لحاملات طائرات، مدعومة بأجنحة جوية تضم مقاتلات متعددة المهام قادرة على تنفيذ عمليات التفوق الجوي والضربات الدقيقة والحرب الإلكترونية. كما جرى نشر قاذفات استراتيجية بعيدة المدى بصورة دورية في قواعد إقليمية، ما يمنح واشنطن قدرة على توجيه ضربات كثيفة خلال فترة زمنية قصيرة دون الحاجة إلى حشد طويل الأمد.
وعلى المستوى البحري، عززت الولايات المتحدة وجودها عبر مدمرات وسفن حربية مزودة بأنظمة قتالية متقدمة، قادرة على تنفيذ مهام هجومية ودفاعية في آن واحد، بما في ذلك إطلاق صواريخ كروز للهجوم البري، وصواريخ اعتراضية للدفاع الجوي والصاروخي. هذا الانتشار يمنح واشنطن قدرة متقدمة على التحكم بالمجالين البحري والجوي، وتأمين خطوط الملاحة الحيوية، وفرض حضور ردعي دائم في الخليج وشرق المتوسط.
وفي الإطار الدفاعي، نُشرت أنظمة دفاع جوي وصاروخي متقدمة، من بينها منظومات باتريوت وTHAAD، بهدف حماية القواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وليس إسرائيل وحدها. كما جرى تعزيز مخزونات الذخائر الاعتراضية والذخائر الذكية، بما يشمل قنابل موجهة بدقة، وصواريخ جو–أرض بعيدة المدى، وصواريخ كروز بحرية، إضافة إلى كميات كبيرة من الذخائر المدفعية عالية الدقة. ويعكس هذا الحشد اعتماد العقيدة العسكرية الأمريكية على الضربات الجراحية المكثفة التي تستهدف مراكز القيادة والسيطرة والبنية العسكرية الحساسة في المراحل الأولى من أي صراع.
هذا الانتشار الواسع لا يمكن قراءته بوصفه دعمًا ظرفيًا لإسرائيل في حربها على غزة فحسب، بل باعتباره رافعة استراتيجية لفرض وجود عسكري أمريكي كثيف ومستدام في الشرق الأوسط. فهو يهدف إلى إعادة تثبيت دور واشنطن كضامن أمني أول في المنطقة، وردع إيران ومحور حلفائها، وفي الوقت نفسه توجيه رسالة واضحة إلى موسكو وبكين بأن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على الحشد السريع، ونشر منظومات قتالية متكاملة، والسيطرة على مسارح عمليات بعيدة، مع الاحتفاظ بالقدرة على الانتقال من الردع إلى المواجهة عند الضرورة.
في حال اندلاع مواجهة عسكرية مع إيران، فإنها لن تكون حربًا تقليدية بين دولتين، بل صراعًا متعدد الطبقات. ستسعى الولايات المتحدة خلاله إلى اختبار فعالية تفوقها الجوي أمام شبكة دفاعات غير غربية، وقدرتها على شل دولة إقليمية كبرى من خلال ضربات دقيقة ومركزة دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة. كما ستُختبر قدرة واشنطن على دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة المعركة، سواء في تحليل الأهداف، أو تنسيق الضربات، أو إدارة الحرب السيبرانية المتزامنة مع العمليات العسكرية التقليدية.
في المقابل، تراقب روسيا والصين هذه المواجهة المحتملة بوصفها فرصة نادرة لتقييم أداء أنظمة الدفاع الجوي ذات الأصول أو المفاهيم غير الغربية في مواجهة ترسانة أمريكية متطورة. كما تتابعان قدرة دولة حليفة لهما على الصمود أمام هجوم عالي الكثافة في بيئة معقدة جغرافيًا وسياسيًا. أي نجاح أو إخفاق إيراني لن يبقى محصورًا داخل الإطار الإقليمي، بل سينعكس مباشرة على حسابات موسكو في أوروبا، وبكين في شرق آسيا، ولا سيما في ما يتعلق بتوازنات الردع ومستقبل الصراعات الكبرى.
ستكون السماء والفضاء السيبراني في قلب أي مواجهة من هذا النوع. فإيران تمتلك شبكة دفاع جوي متعددة المصادر، ورادارات محلية، وخبرة متراكمة في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلا أن الولايات المتحدة تمتلك في المقابل قدرات تشويش إلكتروني كثيفة، وأنظمة قيادة وسيطرة متقدمة، وتكاملًا عالي المستوى بين القدرات الجوية والبحرية والفضائية والسيبرانية. وقبل إطلاق أول صاروخ، يُرجح أن تُستهدف شبكات الاتصالات والطاقة وأنظمة القيادة والسيطرة، في إطار حرب خفية بدأت ملامحها تتشكل بالفعل دون إعلان رسمي.
تكتسب إيران في هذا السياق أهمية تتجاوز بعدها العسكري المباشر، فهي تشكل حلقة وصل جغرافية بين الشرق الأوسط وآسيا، ولاعبًا رئيسيًا في أمن الطاقة والممرات البحرية، كما تمثل أحد آخر مواضع النفوذ الفعلي لروسيا والصين في قلب المنطقة. ومن ثم، فإن تحجيم إيران يعني بالضرورة تحجيم النفوذ الروسي، في حين أن كسرها أو إخضاعها سيحمل رسالة استراتيجية مباشرة إلى الصين بشأن كلفة تحدي النظام الدولي القائم.
في الخلاصة، فإن أي حرب على إيران، إن وقعت، لن تكون حرب إسقاط نظام فقط، ولا مواجهة ردع تقليدية، بل اختبارًا شاملًا للنظام العالمي نفسه. ستكون ساحة تُقاس فيها مصداقية السلاح الأمريكي، وحدود الصبر الروسي، وبراغماتية الصين في إدارة الصراع غير المباشر. والأهم أن هذه الحرب، بخلاف حروب سابقة، لا تضمن نصرًا نظيفًا لأي طرف، بل قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر فوضوية في العلاقات الدولية، حيث تختلط القوة العسكرية بالتكنولوجيا المتقدمة، والردع بعدم اليقين، والانتصار بكلفة استراتيجية طويلة الأمد. إيران هنا ليست مجرد ساحة صراع، بل مرآة تعكس ملامح العالم القادم.