الطوفان يفكك حرب غزة.. قراءة في البارود والدبلوماسية لـ محمد الطماوي
صدر حديثا كتاب الطوفان: غزة بين البارود والدبلوماسية، للدكتور محمد الطماوي، الباحث في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية، عن دار كنوز للنشر والتوزيع، ويقدم من خلاله قراءة تحليلية لأحداث السابع من أكتوبر 2023 في قراءة معمقة لحرب غزة الأخيرة، واضعا إياها في سياقها السياسي والاستراتيجي الأوسع، بعيدًا عن المعالجات السطحية والسرديات الجاهزة.

الكتاب يقدم قراءة عميقة وصادمة للحرب على غزة بوصفها أكثر من مواجهة عسكرية عابرة، بل كمنظومة متكاملة تتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتُدار فيها الدماء بوصفها وقودًا لصفقات كبرى، ينطلق المؤلف من تفكيك فكرة الحرب ذاتها، كاشفًا كيف تحوّلت غزة إلى مختبر مفتوح لتجربة أحدث الأسلحة والتقنيات، وإلى منصة ترويج عالمية لصناعة السلاح، حيث تقاس نجاعة القصف بعدد الضحايا، وتسعر المأساة بلغة الأرباح والعقود، في هذا السياق، تظهر إسرائيل والولايات المتحدة وشركات التكنولوجيا العملاقة كأطراف مستفيدة من استمرار النزيف، بينما يدفع المدنيون الفلسطينيون إلى واجهة المشهد كخسارة جانبية في سوق الموت.
ويمضي الكتاب إلى ما هو أبعد من المشهد العسكري، متناولًا الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لقطاع غزة، وموقعه الحاسم على خريطة شرق المتوسط، يشرح كيف أن الحصار ليس إجراءً أمنيا فقط، بل أداة ممنهجة لمنع الفلسطينيين من استثمار ثرواتهم الطبيعية، وعلى رأسها الغاز، ومنع تشكل كيان اقتصادي قادر على الحياة، غزة، كما يصورها الكتاب، ليست عبئا كما يُروج، بل كنزا مؤجلا، تُحاصر إمكاناته عمدًا لأن تحرره الاقتصادي يعني تغييرًا جذريًا في موازين القوة الإقليمية.
ويتوقف المؤلف عند جذور الانفجار الكبير في السابع من أكتوبر، محللًا قرار حركة حماس في سياقه السياسي والإنساني والتاريخي، دون أن يكتفي بخطاب التبرير أو الإدانة السطحية. يقدّم قراءة نقدية تعتبر أن القرار كان نتاج انسداد كامل في الأفق السياسي، وحصار خانق، وتراكم طويل من الإذلال، لكنه في الوقت نفسه يطرح تساؤلات قاسية حول الكلفة الإنسانية الباهظة، وحول ما إذا كانت الحسابات الاستراتيجية قد أخذت واقع المجتمع الغزّي، بطابعه المدني والهش، في الاعتبار.
كما يفرد الكتاب مساحة واسعة لتشريح العقلية الإسرائيلية الحاكمة، وسياسات بنيامين نتنياهو، حيث تقدَم الحرب كأداة للبقاء السياسي الداخلي، لا كوسيلة لتحقيق أمن حقيقي. يكشف المؤلف كيف تُستخدم شعارات القضاء على حماس والأمن كغطاء لمشاريع أعمق، تتعلق بإعادة الاحتلال، أو فرض وقائع ديموغرافية جديدة، أو حتى الدفع باتجاه التهجير القسري، وفي المقابل، يبرز الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، وتآكل صورة الردع، واتساع العزلة الدولية، بما يحوّل “النصر” المعلن إلى وهم إعلامي أكثر منه إنجازًا فعليًا.
ولا يغفل الكتاب البعد الدولي، حيث يفضح ازدواجية الخطاب الغربي، ويكشف كيف تحوّلت المساعدات الإنسانية إلى ورقة ضغط سياسية، تُستخدم للتفاوض لا للإنقاذ، كما يسلط الضوء على الدور المصري والأردني، ليس فقط كوسيط سياسي، بل كفاعل مركزي في منع سيناريوهات التهجير، وحماية الحد الأدنى من التوازن الإقليمي، في لحظة بدا فيها النظام الدولي عاجزًا أو متواطئًا.
في فصوله الأخيرة، ينتقل الكتاب إلى مستوى أعمق من التحليل الفكري، رابطًا ما يجري في غزة بنظريات السيطرة على السكان، والهندسة الديموغرافية، والاستشراق الإسرائيلي بوصفه أداة لاختراق الوعي وتشويه التاريخ والدين، وليس مجرد نشاط أكاديمي بريء، هنا تتحول غزة إلى نموذج مرعب لكيفية إدارة الإبادة البطيئة، ليس بالسلاح وحده، بل بالتجويع، والحصار، وتدمير المعنى، في محاولة لكسر الإرادة قبل كسر الأجساد.
لا يقدم الكتاب في مجمله، سردًا تقليديا للحرب، بل شهادة سياسية وفكرية قاسية، تضع القارئ أمام حقيقة مقلقة: ما يجري في غزة ليس استثناء، بل تعبيرًا مكثفا عن نظام عالمي يسمح بتحويل المأساة إلى استثمار، والاحتلال إلى مشروع طويل الأمد.
جدير بالذكر أن المؤلف سبق له إصدار كتاب المستقبل المشفر بين الأزمات الدولية والعملات الرقمية: كيف تغير البلوك تشين الاقتصاد والقانون والحوكمة، وذلك بتقديم من الأستاذ الدكتور محمد سامي عبدالصادق رئيس جامعة القاهرة، حيث تناول فيه بالتحليل أحد أبرز التحولات التكنولوجية المعاصرة وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي والنظم القانونية وآليات الحوكمة، في إطار بحثي يجمع بين الرؤية الأكاديمية والطرح التحليلي المنهجي.



