فخ الرفاهية بالتقسيط.. هل تحولت خدمات "BNPL" إلى مقبرة لمدخرات الشباب؟
في قلب تجربة التسوق، وخصوصًا داخل المتاجر الكبرى، لا تهدأ الهواتف المحمولة، ولا يتوقف سيل العروض بين الترفيه وشراء الاحتياجات.
هناك تبرز لافتات براقة تخطف الأنظار بوعود تكاد تشبه الخيال: «امتلك ما تحتاج.. وسدّد لاحقًا»، أو بصيغة أبسط وأكثر إغراءً: «اشترِ الآن وادفع لاحقًا»، عبارات كفيلة بأن تدفعك للدخول دون تردد، فتشتري ما تحتاجه وما لا تحتاجه، وكأن الأمر ميراث مؤجل لا حساب له.
إعلانات مغرية بالمتاجر الكبرى
وما إن تُغمض عينك عن الإعلان الأول، حتى تفاجئك إعلانات رقمية أشبه بخيوط العنكبوت، تحمل رسالة واحدة: «بضغطة زر على شاشة هاتفك، يتحول الحلم إلى واقع في منزلك»، إعلانات تبدو للوهلة الأولى بسيطة وسهلة، لكنها في جوهرها غامضة، وتخفي وراء بريقها أسرارًا غير مألوفة، قد تنقلب من وسيلة راحة إلى عبء خانق على أصحابها. هنا يتجسد المعنى الحقيقي لعبارة: «خلف البريق الجذاب يختبئ واقع اقتصادي مقلق».
تحذير من نمط إعلانات المتاجر
فوفقًا لأحدث تقارير صندوق النقد الدولي، لم تعد أنماط الشراء المعتمدة على الائتمان الاستهلاكي السريع مجرد سلوك فردي، بل تحولت إلى ظاهرة اقتصادية واسعة.
وتشير التقارير إلى أن ديون الأسر المرتبطة بخدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» تشكل ضغطًا متزايدًا وغير مسبوق على السيولة المحلية، خاصة في الأسواق الناشئة. كما سجل هذا القطاع معدلات نمو سنوية تتجاوز 45%، ما يثير مخاوف حقيقية بشأن الاستقرار المالي على المدى المتوسط.
وبين إغراء السهولة وخطر التراكم، يجد المستهلك نفسه عالقًا في معادلة صعبة، تبدأ بابتسامة إعلان، وقد تنتهي بأرقام ثقيلة تثقل كاهله دون أن يشعر.
اشترِ الأن وادفع لاحقًا
تعتمد شركات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" (BNPL) مثل "تمارا" و"تابي" إقليمياً، و"Affirm" و"Klarna" عالمياً، على استراتيجية نفسية تُعرف بـ "التخدير الشرائي". ويؤكد الخبير المصرفي طلعت حافظ في لقاءاته التلفزيونية أن هذه الخدمات ترفع معدلات الإنفاق العشوائي بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بالدفع النقدي التقليدي. والسبب يعود إلى أن العقل البشري لا يشعر بـ "ألم الدفع" عندما يتم تقسيم المبلغ الكبير إلى أجزاء صغيرة، مما يحفز مراكز المكافأة في الدماغ على إتمام الصفقة دون تفكير في العواقب المالية طويلة الأمد. ومع وصول حجم سوق التقسيط التقني عالمياً إلى ما يقارب 300 مليار دولار، يجد الشاب نفسه اليوم محاصراً في "كرة ثلج" من الأقساط المتراكمة التي تلتهم في كثير من الأحيان أكثر من 40% من دخله الشهري.
أرقام ضحايا التسوق الإلكتروني
الأرقام الصادرة عن منصة Statista لرصد البيانات توضح أن جيل "الزد" (Gen Z) وجيل الألفية هم الضحايا الأوائل لهذا الفخ، حيث يستخدم 60% منهم هذه التطبيقات بشكل دوري لشراء سلع استهلاكية (ملابس، إلكترونيات، عطور) لا تندرج تحت بند الضروريات.
الخطورة الحقيقية هنا لا تكمن فقط في غرامات التأخير التي تفرضها بعض الشركات والتي قد تصل إلى 25% من قيمة القسط، بل في تدمير "السجل الائتماني" للمقترضين الشباب.
ففي حالة التعثر، يُحرم الشاب من الحصول على تمويلات مستقبلية لغايات أكثر أهمية مثل شراء سكن أو بدء مشروع تجاري، لأن سجله أصبح ملطخاً بتعثرات في شراء "ساعة ذكية" أو "حذاء رياضي".
التكلفة البديلة تزيد أعباء المستهلك
منظور آخر يطرحه خبراء الاقتصاد يتعلق بـ "التكلفة البديلة"؛ فالأموال التي كان ينبغي توجيهها للادخار أو الاستثمار في أصول تزيد قيمتها مع الزمن، تذهب اليوم لسداد مديونيات سلع تفقد 30% من قيمتها بمجرد خروجها من المتجر. إننا نبني اقتصاداً قائماً على "استهلاك الغد اليوم"، وهو ما يضعف القوة الشرائية الحقيقية للمجتمع على المدى البعيد.
وبحسب تقارير مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني، فإن استمرار هذا النمط الشرائي دون رقابة صارمة قد يؤدي إلى أزمة ائتمانية محلية، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم التي تزيد من صعوبة الالتزام بالأقساط.
تقسيط الرفاهية يحمل اقتصاد بديل
ختاماً، فإن الرفاهية التي تروج لها تطبيقات التقسيط هي رفاهية "مستعارة" من المستقبل. وفي غياب الثقافة المالية الكافية، تتحول هذه الأدوات من "تسهيلات مالية" إلى "مقبرة للمدخرات".
إن التحدي الذي يواجه صانعي السياسات اليوم هو كيفية تنظيم هذا القطاع لضمان حماية المستهلك من الاندفاع العشوائي، وضمان أن يظل التقسيط وسيلة لتيسير الحياة لا قيداً يكبل طموحات الشباب المالية لسنوات قادمة.