مقترح التبرع بالجلد بعد الوفاة.. هل سينقذ حياة الأطفال في مصر؟
في خطوة لفتت أنظار الرأي العام، تقدمت النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، بمقترح برغبة إلى وزارة الصحة والسكان لإنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية وتفعيل التبرع بالجلد بعد الوفاة.
المقترح جاء استجابة للنقص الحاد في الأنسجة الجلدية لعلاج حالات الحروق الحرجة، خاصة الأطفال، الذين يعانون من طول فترة انتظار الحصول على الجلد المستورد بتكلفة باهظة، مع التركيز على أن الفكرة إنسانية بالدرجة الأولى وتهدف إلى إنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة المصابين.
في تصريحاتها، أكدت النائبة أن الفكرة لم تأتِ حديثًا، بل كتبت وصيتها بالتبرع بأعضائها وجلدها بعد الوفاة منذ أيام الجامعة، أي قبل أن تصبح نائبة أو تدخل العمل السياسي، مؤكدة أن التبرع ليس مجرد اقتراح تشريعي، بل رسالة إنسانية وأخلاقية تسعى لتحقيقها على أرض الواقع من خلال البرلمان.
المقترح البرلماني وأهدافه الإنسانية
قدمت صابر المقترح رسميًا يوم الجمعة 6 فبراير 2026، مشيرة إلى أن قانون زرع الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 يسمح بالتبرع بعد الوفاة، لكنه لا يطبق بشكل فعّال بسبب ضعف التوعية وغياب آليات التنفيذ، ويهدف المقترح إلى تنظيم وتسهيل الإجراءات عبر تأسيس سجل وطني إلكتروني للمتبرعين، وإنشاء بنية تحتية طبية متخصصة، بحيث يتمكن المرضى من الحصول على الأنسجة بسرعة، ويقل اعتمادهم على الاستيراد المكلف.
وأوضحت النائبة أن المقترح يشمل تعاونًا بين وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية ومؤسسات الرعاية الطبية، لتوفير بدائل إنقاذ حياة المصابين بالحروق، مع الالتزام بالضوابط القانونية والدينية. وأكدت أن الهدف لا يقتصر على الجانب الطبي والاقتصادي فقط، بل يتعداه إلى الجانب الإنساني، إذ يتيح الفرصة لتخفيف المعاناة عن المرضى وإعادة الأمل لهم ولأسرهم.
كما لفتت صابر إلى أن التجربة الدولية أظهرت نجاح برامج التبرع بالجلد والأنسجة البشرية في دول مثل إيران والمغرب، مشيرة إلى ضرورة الاستفادة من هذه التجارب لضمان تنظيم عملية التبرع في مصر بطريقة آمنة وفعالة.
ردود الفعل والجدل الإعلامي
أثار المقترح موجة واسعة من ردود الفعل على منصات التواصل ووسائل الإعلام، بين مؤيدين رأوا فيه خطوة إنسانية بالغة الأهمية، ومعارضين أبدوا تحفظات تتعلق بالبعد الثقافي والديني للفكرة، وبعض التعليقات عبرت عن قلقها من التعامل مع الجسد بعد الوفاة، بينما رأى آخرون أن التشريع موجود بالفعل ويحتاج فقط إلى تفعيل وتنظيم.
ورغم الانتقادات، أكدت النائبة تمسكها بمقترحها، موضحة أنها ستتابع الملف مع لجنة الصحة بمجلس الشيوخ ووزارة الصحة ونقابة الأطباء لضمان تنفيذه بصورة عادلة وفعالة، بعيدًا عن أي تضليل أو إساءة فهم، مشيرةً إلى أن المقترح يحمل هدفًا إنسانيًا نبيلًا ويمثل جزءًا من رسالتها التي بدأت منذ أيام الجامعة، حيث كتبت وصيتها بالتبرع بأعضائها.
وفي ردود الفعل الإيجابية، أعرب عدد من الإعلاميين والنواب عن دعمهم للمقترح، مؤكدين أن الفكرة تنقذ حياة المرضى وتخفف العبء عن الدولة والأسر، وأنها تتوافق مع قيم التعاون الإنساني والإنقاذ، بشرط وجود آليات صارمة لتنفيذها.
«الإفتاء»: التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة جائز شرعًا بشروط
وفيما يخص الجانب الديني، أوضحت دار الإفتاء المصرية أن التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة جائز شرعًا، شريطة تحقق عدة شروط: أن يكون المتبرع قد كتب وصية واضحة بإرادته وعقله الكامل للتبرع، وأن يتم التبرع بدون مقابل مالي، وبدون الإضرار بكرامة المتوفى، كما أكدت الفتوى على أن نقل الجلد لضحايا الحروق يعتبر جائزة إذا كان هناك ضرورة إنسانية ولغرض إنقاذ حياة الآخرين أو تخفيف معاناتهم، على أن يتم في مراكز طبية مرخصة ووفق بروتوكولات صارمة تمنع أي استغلال تجاري.
كما شددت الفتوى على أن المبادرة تأتي في سياق التعاون على البر والتقوى، معتبرة أن إنقاذ حياة الآخرين واجب أخلاقي وديني، وأن الالتزام بالقوانين والضوابط الشرعية يضمن تحقيق الهدف الإنساني دون أي مخالفة شرعية.
«الأطباء»: القانون المنظم للتبرع بالأعضاء موجود بالفعل في مصر منذ 2010
ومن جانبه، علق الدكتور إبراهيم الزيات، عضو مجلس نقابة الأطباء، على مقترح النائبة أميرة صابر بشأن التبرع بالجلد بعد الوفاة، مؤكدًا أن القانون المنظم للتبرع بالأعضاء موجود بالفعل في مصر منذ أكتوبر 2010، لكنه لم يُطبَّق حتى الآن في عام 2026.
وأوضح الزيات، أن القانون ينظم جميع عمليات نقل الأعضاء، سواء كانت من الأحياء إلى الأحياء أو من الأموات إلى الأحياء، بما في ذلك نقل الجلد، مشيرًا إلى أن دولًا مثل إيران وعدد من الدول الأخرى طبّقت هذا القانون بنجاح، ما يعكس إمكانية تفعيله في مصر وفقًا للأطر القانونية والطبية الصحيحة.
هبة السويدي: التبرع بالجلد بعد الوفاة.. هل ينقذ حياة أطفال الحروق؟
وفي هذا السياق، علقت هبة السويدي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق، على مقترح النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، المتعلق بتنظيم وتعزيز ثقافة التبرع بالأنسجة وإنشاء بنك وطني لتجميعها بدل الاعتماد على الاستيراد المكلف، مؤكدة أن الجدل الدائر حول المقترح ابتعد عن جوهره الإنساني وتحول إلى هجوم لفظي غير مبرر، رغم أن القضية تمس إنقاذ الأرواح ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، وعلى رأسهم أطفال الحروق.
وأوضحت السويدي أن حصر النقاش في مفهوم «التبرع بالجلد» فقط يعد اختزالًا غير دقيق، مشيرة إلى أن التبرع يشمل الأعضاء والأنسجة المختلفة مثل القلب والكبد والكلى والقرنية، والتي تمثل في كثير من الحالات الفرصة الأخيرة لبقاء المرضى على قيد الحياة. وشددت على أن التبرع بعد الوفاة يظل خيارًا شخصيًا حرًا لا يمكن فرضه على أحد، لكن في المقابل لا ينبغي مهاجمة أو تخوين من يختار هذا الطريق الإنساني.
وأكدت السويدي، أن تجربتها الشخصية مع التبرع بالأعضاء عززت إيمانها بأهمية نشر هذه الثقافة، موضحة أن والدها – رحمه الله – خضع لعملية نقل كبد، وهو ما منحه عشر سنوات إضافية من الحياة، واصفة التبرع بأنه من أعظم صور الصدقة الجارية التي يمتد أثرها لسنوات طويلة داخل الأسر والمجتم
وفيما يخص حالات الحروق، قالت، إن زراعة الجلد ليست إجراءً تجميليًا أو رفاهية طبية، بل تدخلًا حاسمًا لإنقاذ الحياة، لكون الجلد أكبر عضو في جسم الإنسان وخط الدفاع الأول ضد فقدان السوائل والعدوى، موضحةً أن نسب النجاة من الحروق الخطيرة في مصر كانت لا تتجاوز 20%، بينما تصل في الدول التي تطبق منظومة التبرع بالجلد إلى نحو 90%، وأن مستشفى أهل مصر يضطر حاليًا لاستيراد الجلد لإنقاذ الأطفال المصابين، خاصة الرضع الذين لا تتوافر لديهم مناطق سليمة للترقيع.
وأشارت هبة السويدي، إلى أن الجدل المجتمعي يتناقض مع واقع قبول استيراد قرنيات من الخارج لعلاج مرضى فقدان البصر، متسائلة عن سبب التخوف من التحول إلى مجتمع منتج للعطاء بدل الاكتفاء بدور المستهلك. وأكدت أن دولًا عربية عدة، مثل السعودية والإمارات والأردن والكويت، سبقت في إقرار قوانين واضحة للتبرع بالأعضاء والأنسجة، مع وجود مراكز متخصصة تحظى بثقة المجتمع.
واختتمت السويدي تصريحها، بالتأكيد على أن دار الإفتاء المصرية حسمت الأمر وأقرت جواز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة باعتباره صدقة جارية وأحد أسمى أعمال البر، مشددة على ضرورة إدارة الاختلاف المجتمعي حول هذا الملف بالوعي والرحمة، وتوجيه الشكر لكل من دعم مرضى الحروق من مسؤولين وإعلاميين وفنانين، مؤكدة أن الجسد يفنى، لكن الأثر الإنساني يبقى.