صالح المسعودي يكتب: أنين الحياء
لفت انتباهي ذلك الرجل الذي يحاول أن يخبئ وجهه مني بصحيفة في يده أمام إحدى المصالح الحكومية كأن الرجل يقصد ألا أراه في هذا الموقف ، وكان بإمكاني أن أتركه إلا أنني خشيت أن يكون للرجل خدمة يمكنني تأديتها له ، فللرجل أياد بيضاء عندي واعتبرت أنه جاء يوم رد الجميل ، فاقتربت من الرجل وسلمت عليه فسلم علي ويداه ترتجفان وكأن الرجل يحاول وقف هطول عبراته ثم تماسك الرجل وبدأت معه حديثي بلطف لما رأيت فيه من حساسية عالية لما هو فيه ، وبعد أن استقر بنا الحال سألته عن ظروفه وأحواله
قال لي ( منذ خروجي على المعاش وحالي ( غير الحال ) قلت له لماذا ؟ قال ( كنت في وظيفة مدير عام كما تعلم وكان راتبي مناسباً إلى حدٍ ما وعندما خرجت للمعاش وبعد أن ابيض شعري وانحنى ظهري وتكاثرت همومي وأمراضي بل ومسؤولياتي أصبحت أتعاطى دراهم معدودة لا تكفي حتى للعلاج فكيف بي لو أردت أن أسدد مستلزمات البيت من ( فواتير الماء والغاز والكهرباء ) ناهيك عن مصروف البيت العادي
ويكمل الرجل لقد رأيتك من بعيد فأردت ألا تراني بتلك الملابس التي عفا عليها الزمان فلم أشتر ملابس منذ وجودي على رأس العمل ثم تتساقط عبرات الرجل فأكفكفها له وأهدئ من روعه بكلمات تدعوا للصبر فوجدته يقول لي ( ألست صحفيا ) ؟ قلت له للأسف كان يكون لي الشرف أن أكون صحفياً ولكني لست كذلك ، قال ( ولكني أراك تكتب ) قلت له نعم ، قال لي ( لماذا يا أخي لا تثيروا موضوع ( المعاشات ) أمام السيد الرئيس ؟ فالرجل لن يرضيه حالنا وما نعاني ،
وتساءل الرجل كيف سيبني الرئيس وطناً جديداً في الوقت الذي لا يضمن من يعمل مستقبله ؟، واستطرد الرجل بقوله ( الموظف يا سيدي الذي لا يضمن حياة كريمة عقب خروجه إلى المعاش تراوده نفسه بأن يؤمن هو مستقبله من خلال الأبواب الخلفية للتربح وهذا بالتأكيد ليس بشكل عام لكنه موجود وقد يكون بكثرة وهذا يكلف الوطن الكثير ونحن الآن في عهد جديد وحلم بمستقبل واعد لوطن عانا كثيراً من عهود التهميش والاهمال فلماذا لا تكون هناك عدالة اجتماعية تطبق على الجميع وخاصة ما نعنيه الآن وهو موضوع أصحاب المعاشات
تركت الرجل يُكمل ما أتى من أجله وجلست في سيارتي أفكر فيما قاله الرجل ، فكم هو مؤلم أن تخدم وطنك لعقود ثم تُلقى في سلة المهملات ، كم هي قاسية تلك الدنيا عندما تُجبر العزيز على المهانة ، ورأيت أن الرجل قد حملني ونيابة عن كل من خرج إلى المعاش للسيد الرئيس رسالة عاجلة حتى لو كنت على يقين أن الرئيس لن يقرأ كلماتي بشكل مباشر ولكنني أودعها الحي القيوم الذي يُلين قلوب العباد أن يبثها في قلب الرئيس وكل صاحب قرار في هذا الوطن العظيم فيا سيادة الرئيس يوجد من بني وطنك وهم بالملايين مَن يعانون أشد المعاناة ويرفعون لك الشكوى فقد خذلتهم القوانين وتناساهم المشرعون وأملهم أن تلتفت لشكواهم بأن يتم النظر وبأقصى سرعة فيما يعانيه أصحاب المعاشات الذين أفنوا حياتهم في خدمة هذا الوطن ، وصدقني يا سيادة الرئيس إن من يضمن حياة كريمة عندما يخرج للمعاش لن يتوانى في إعطاء كل جهده لوطنه الذي قدر ضعفه ووهنه حال خروجه للتقاعد والله من وراء القصد