فنجان قهوة يكشف "الخبايا".. " لغز التضخم العالمي وسياسات البنوك المركزية
بينما تستمتع برائحة قهوتك المغلية، قد لا يتبادر إلى ذهنك أن هذا الفنجان هو "مختبر اقتصادي" متكامل. ففي عالم المال، لا تُعد القهوة مجرد مشروب، بل هي ثاني أكثر السلع تداولاً في العالم بعد النفط الخام.
ومن خلال تتبع رحلة حبة البن، يمكننا فهم لغز "التضخم" الذي ينهش القوة الشرائية عالمياً، وتحويل الأرقام الجافة إلى قصة ملموسة نعيشها مع كل رشفة.
من المزرعة إلى المرفأ: جبهة "تضخم التكاليف"
تبدأ القصة في مرتفعات البرازيل أو فيتنام؛ حيث يواجه المزارعون أولى شرارات التضخم، وهو ما يُعرف بـ "تضخم التكاليف" يظهر هنا بوضوح؛ فارتفاع أسعار الأسمدة الكيماوية والمبيدات المشتقة غالباً من الغاز الطبيعي يرفع تكلفة الإنتاج الأولية بشكل حاد.
علاوة على ذلك، يبرز تأثير التغير المناخي كعنصر ضاغط؛ فوفقاً لتقارير منظمة القهوة الدولي، أدت موجات الجفاف غير المسبوقة في البرازيل إلى انخفاض المعروض العالمي، مما دفع أسعار "البن العرب" للارتفاع بنسب تجاوزت 20% في فترات ذروة الأزمة، وهنا يدرك المستثمر أن فنجان القهوة ليس بمعزل عن السياسات البيئية أو تقلبات المناخ.
سلاسل الإمداد: الضريبة غير المرئية
بمجرد خروج القهوة من المزرعة، تدخل في معمعة "سلاسل الإمداد"، كما أن يشرح الفنجان هنا كيف يؤثر سعر الوقود وتكلفة الشحن البحري على التضخم؛ فعندما ترتفع أسعار النفط، تزداد تكلفة نقل الحاويات عبر المحيطات.
ويشير خبراء في "مؤشر البلطيق للجفاف" إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية في الممرات الملاحية مثل البحر الأحمر أدت إلى زيادة تكاليف الشحن بنسبة تصل إلى 150% لبعض الخطوط، مما جعل "تأخير الشحن" يعمل كضريبة إضافية غير مرئية تظهر آثارها في سعر الفنجان النهائي بالمقاهي.
داخل المقاهي: حلزونية الأجور والأسعار
عندما تصل القهوة إلى مدينتك، تبرز عقبة "أجور العمالة". في ظل نقص العمالة عالمياً، يضطر أصحاب المقاهي لرفع الأجور لجذب الموظفين.
ووفقاً لقواعد الاقتصاد، نادراً ما يتحمل صاحب العمل هذه الزيادة وحده؛ بل يتم تمريرها إلى "المستهلك النهائي".
هذا ما يصفه الخبراء بـ "حلزونية الأجور والأسعار"؛ حيث يطالب العمال بأجور أعلى لمواجهة الغلاء، فيرفع أصحاب العمل الأسعار لتغطية الأجور، وهكذا تدور العجلة.
نقطة التحول: خفض الفائدة وأثره على مائدتك
مع بداية عام 2026، ومع اتجاه البنوك المركزية (وعلى رأسها الفيدرالي الأمريكي) نحو خفض أسعار الفائدة بعد سلسلة من الارتفاعات لمحاربة التضخم، دخل "مؤشر الفنجان" مرحلة جديدة:
- تخفيف الأعباء التمويلية: خفض الفائدة يقلل تكلفة القروض التي تعتمد عليها شركات الاستيراد والمقاهي الكبرى للتوسع، مما قد يقلل من وتيرة ارتفاع الأسعار مستقبلاً.
- استمرار قوة الطلب: يلاحظ الاقتصاديون أن القهوة تتمتع بـ "مرونة سعرية منخفضة"؛ أي أن المستهلك يستمر في شرائها رغم ارتفاع سعرها. ومع خفض الفائدة، تزداد السيولة في أيدي المستهلكين، مما يبقي الطلب مرتفعاً ويسمح لشركات كبرى مثل "ستاربكس" و"نستله" بالحفاظ على "قوة تسعيرية" قوية.
الفنجان كمرآة للاقتصاد الكلي
إن "مؤشر الفنجان" يثبت أن الاقتصاد ليس مجرد معادلات أكاديمية، بل هو تجربة يومية، وإن دفعك لثمن قهوتك اليوم هو في الحقيقة مساهمة في تسوية فواتير الوقود في الشرق الأوسط، وتكاليف العمالة في بلدك، وقرارات البنوك المركزية العالمية.