أوائل الأزهر بين التفوق والانتظار.. حكاية 9 سنوات من الصمت والبيروقراطية
في إحدى زوايا مكتبة قديمة، يجلس شاب أزهري يتصفح كتب تخصصه التي تفوق فيها يومًا ما، لا ليُحضّر لبحث علمي جديد، بل ليقاوم إحساسًا متراكمًا بالخذلان.
سنوات مرت منذ أن كُتب اسمه ضمن أوائل دفعته، وسنوات أطول من الوعود المؤجلة والأسئلة التي لا تجد إجابة، وهذه ليست قصة فرد، بل حكاية آلاف الأوائل بجامعة الأزهر، الذين تحول تفوقهم الأكاديمي إلى انتظار مفتوح بلا موعد.
على مدار ما يقرب من تسع سنوات، منذ دفعة 2016 وحتى دفعة 2025، يواجه أوائل خريجي جامعة الأزهر أزمة حقيقية في التعيين، رغم أحقيتهم القانونية والأكاديمية في الالتحاق بالهيئة المعاونة، أزمة لم تعد مجرد ملف إداري، بل باتت قضية تمس العدالة التعليمية ومستقبل نخبة من أكثر الطلاب تميزًا في واحدة من أعرق المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي.
رئيس الجامعة: حصر كامل للأعداد وانتظار الرد
في تواصل خاص مع فضيلة الأستاذ الدكتور سلامة داوود، رئيس جامعة الأزهر، أوضح أن ما تردد سابقًا بشأن تخصيص أرقام محددة للدرجات الوظيفية غير دقيق، مؤكدًا أن الجامعة انتهت بالفعل من حصر أعداد الأوائل من دفعات 2016 حتى 2025، وتم إرسال هذه البيانات كاملة إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، في خطوة رسمية تهدف إلى توفير الدرجات المالية اللازمة للتعيين.
وأكد رئيس الجامعة أن الأزهر في انتظار رد التنظيم والإدارة ووزارة المالية بشأن الدرجات الوظيفية المخصصة، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات التنفيذية، "ولاحظ خلال حديثه تحفّظًا شديدًا في تناول تفاصيل الملف، دون الإفصاح عن أسباب هذا التحفظ، وهو ما يعكس حجم التعقيدات الإدارية وحساسية الموقف".
صمت التنظيم والإدارة.. سؤال بلا إجابة
ورغم المخاطبات الرسمية وحصر الأعداد، لا يزال الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ملتزمًا الصمت، دون إعلان موقف واضح أو جدول زمني محدد لحسم الملف، هذا الصمت زاد من حالة القلق والاحتقان بين الأوائل، خاصة مع تراكم دفعات جديدة كل عام، واتساع الفجوة بين التفوق الأكاديمي والواقع الوظيفي.
تحرك برلماني: «التعيين حق وليس منحة»
على الجانب البرلماني، تواصلنا مع النائب محمود سامي الإمام، عضو مجلس النواب، الذي أكد أنه تقدم بـ طلب إحاطة رسمي إلى المستشار حنفي جبالي رئيس مجلس النواب، موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، بشأن تعطيل تعيين أوائل جامعة الأزهر. وشدد النائب على أن استمرار التأخير يمثل خللًا إداريًا جسيمًا يضرب مبدأ تكافؤ الفرص.
قصص من واقع الخذلان.. التفوق الذي لم يجد وظيفة
أدلى عبدالمجيد قصته لـ"بلدنا اليوم" قائلاً " أنا عبد المجيد محمد عبد المجيد محمد رمان، كفيف، خريج كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنين بدمياط، قسم الشريعة الإسلامية، دفعة 2021، تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، المركز الثاني على الدفعة.
خلال مسيرتي الدراسية، تجاوزت صعوبات كبيرة، اعتمدت فيها على المرافق لكتابة ما لا أستطيع كتابته بنفسي، وحققت مراكز متقدمة على مستوى الجمهورية.
لكن بعد التخرج، توقفت جامعة الأزهر عن التعيين، فأصبحت أمام أزمة مالية صعبة، أعجز فيها عن تأمين قوت يومي، بينما طموحي العلمي والعملي محصور بلا سبيل، وهذه الأزمة لا تؤثر فقط على مستقبلي، بل تهدر جهد سنوات من الاجتهاد والتميز".
أسماء حنفي: حين يصبح العلم عبئًا
وتناولنا قصة سماء حنفي، الأولى على كلية التربية – دفعة 2018. لم تكن أسماء تحلم بالكثير؛ كانت تحلم فقط أن تعيش بكرامة تليق بعلمها "ثماني سنوات مرت"، لم يُفتح لها باب الجامعة، ولا فُتح لها باب الرزق. وجدت نفسها مضطرة لأعمال مؤقتة، هامشية، لا تشبه سنوات الجد.
تستيقظ كل صباح وهي تحسبها بالأرقام البسيطة: إيجار، طعام، مواصلات… وتنام وهي تخفي خيبتها عن أهلها، لأن "الأولى" لا يجب أن تُرى مكسورة، "أسماء لا تطلب صدقة، هي تطلب حقًا واضحًا: أن يُنقذها علمها من الجوع، لا أن يقودها إليه".
أزمة تتجاوز الأفراد
لا تقتصر خطورة الأزمة على الأوائل فقط، بل تمتد إلى المنظومة التعليمية نفسها. فغياب تعيين المتفوقين يحرم الكليات من كوادر شابة مؤهلة، ويؤثر سلبًا على جودة العملية التعليمية، ويبعث برسالة سلبية للطلاب الحاليين مفادها أن التفوق لا يضمن مستقبلًا واضحًا.
انتظار القرار.. والوقت ينفد
اليوم، وبعد حصر الأعداد وتحرك البرلمان، يبقى الملف معلقًا في انتظار رد التنظيم والإدارة ووزارة المالية، ومع كل يوم تأخير، تتضاعف الخسائر الإنسانية والعلمية. وبين وعود غير مكتملة وصمت رسمي، يظل أوائل الأزهر عالقين بين ما يستحقونه قانونًا، وما يحصلون عليه فعليًا.
ومع ذلك، لا يزال الأمل قائمًا بأن يتحول هذا التحرك إلى قرارات تنفيذية تعيد الاعتبار للتفوق، وتفتح الباب أمام آلاف الأوائل ليبدأوا أخيرًا مسيرتهم الأكاديمية التي طال انتظارها، بعد سنوات من الصبر والخذلان.