حكاية كعك العيد.. طقس ثراثي عبر عصور التاريخ
يُعد كعك العيد أحد أبرز الطقوس المرتبطة بالاحتفال بعيد الفطر في مصر، حيث تحولت صناعته إلى تقليد اجتماعي متوارث عبر الأجيال. ورغم اتفاق الجميع على مكانته في الثقافة الشعبية، فإن الباحثين يختلفون حول أصوله التاريخية، إذ يرى البعض أن جذوره تعود إلى مصر القديمة، بينما يرجح آخرون ارتباطه بالعصور الإسلامية.
كعك العيد في الحضارة المصرية القديمة
وفي الحضارة المصرية القديمة، احتلت المخبوزات مكانة مهمة على موائد الطعام، حتى وصفها عالم المصريات الراحل عبد الحليم نور الدين بأنها كانت جزءًا أساسيًا من غذاء المصريين. وقد تنوعت أشكال الخبز وأنواعه، وظهرت في قوائم القرابين التي كانت تُقدَّم في المعابد. وتشير بعض الدراسات إلى وجود فطائر صغيرة مستديرة تشبه في شكلها الكعك الحالي، وكانت تُصنع من دقيق القمح أو الشعير مع إضافات مثل العسل أو اللبن أو الفاكهة.
كما عُرفت الزخارف على الخبز منذ العصور القديمة؛ حيث كانت تُرسم دوائر صغيرة على سطح الأرغفة المستديرة، أو تُترك عليها آثار الأصابع كنوع من الزينة أو ربما كجزء من طريقة التسوية. وفي المقابل، تشير بعض الكتابات إلى ارتباط هذه المخبوزات بالأعياد في مصر القديمة، إلا أن عددًا من علماء المصريات –ومن بينهم زاهي حواس– لا يعتمدون بعض هذه المراجع لعدم تخصص مؤلفيها في علم المصريات.
كعك العيد في التاريخ الإسلامي
وعلى الجانب الآخر، يرى باحثون في التاريخ الإسلامي أن تقليد كعك العيد بصورته الحالية ظهر في العصر الإسلامي، وتحديدًا خلال حكم أحمد بن طولون في العصر العباسي، حيث كان يُعد ويوزع في المناسبات الدينية، خاصة عيد الفطر.
كعك العيد بدنانير ذهبية
وتحكي بعض الروايات الطريفة عن تلك الفترة أن بعض قطع الكعك كانت تُحشى بدنانير ذهبية، وكان يتم تقديمها في موائد يحضرها كبار رجال الدولة. ويقال إن أحد المقربين من ابن طولون نبه صديقًا له أثناء تناول الكعك قائلًا: "افطن له"، في إشارة إلى وجود الدينار داخل القطعة، ومن هنا ارتبطت هذه التسمية بالكعك في تلك الفترة.
دار الفطرة
أما في العصر الفاطمي، فقد ترسخت عادة إعداد كعك العيد بشكل أوضح، حيث اهتم الفاطميون بالمظاهر الاحتفالية والمآدب الكبيرة. وكان هناك ما عُرف باسم "دار الفطرة"، وهي جهة كانت تتولى تجهيز احتفالات عيد الفطر، بما في ذلك إعداد كميات كبيرة من الكعك وتوزيعها على الناس، الأمر الذي عزز ارتباط الكعك باحتفالات العيد في الوجدان الشعبي.
تقليد شعبى للأسر المصرية
وبعد انتهاء الدولة الفاطمية، استمرت هذه العادة في العصور اللاحقة؛ إذ حافظ عليها الأيوبيون ثم المماليك، ومع مرور الوقت انتقلت صناعة الكعك من قصور الحكام إلى بيوت عامة الناس، لتصبح تقليدًا شعبيًا تشارك فيه الأسر المصرية مع اقتراب العيد.
ولا تزال بعض النماذج القديمة لقوالب وزخارف الكعك محفوظة في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، حيث تعكس أشكالها تطور هذه الصناعة عبر العصور، من العصر المملوكي مرورًا بالعهد العثماني وصولًا إلى العصر الحديث.
وفي القرنين التاسع عشر والعشرين أصبحت صناعة الكعك في المنازل طقسًا سنويًا مميزًا؛ إذ كانت السيدات يجهزن ألواح الكعك خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ثم يذهبن بها إلى الأفران البلدية لتسويتها. ورغم أن هذه العادة تراجعت في السنوات الأخيرة مع انتشار الكعك الجاهز في المحال التجارية، فإن كعك العيد لا يزال رمزًا أصيلًا لفرحة العيد في مصر.