تصدير الشمس: الهيدروجين الأخضر.. "بترول مصر" الذي سينهي عصر الظلام
بعد إعلان الحكومة عن خطتها الجديدة لـ "ترشيد استهلاك الكهرباء"، انشغلت الأسر المصرية بإعادة جدولة أولوياتها اليومية تأثراً بهذا القرار.
لكن خلف هذا المشهد، تبرز في الأفق استراتيجية قومية كبرى تسعى لتحويل هذه "المحنة" إلى "منحة" اقتصادية، تهدف لضخ مليارات الدولارات في خزينة الدولة.
لم يعد الأمر مجرد توفير بضعة ميجاوات من الإضاءة، بل هو تحول جذري في فلسفة الطاقة المصرية؛ لتصبح أكثر مرونة واستدامة.
تتبلور الرؤية هنا في تحويل "الغاز الطبيعي" من مجرد وقود لتوليد الكهرباء محلياً إلى سلعة استراتيجية للتصدير، واستبداله بـ "الهيدروجين الأخضر" باعتباره وقود المستقبل، وهو ما يؤكده خبراء الاقتصاد كطوق نجاة وقفزة تنموية غير مسبوقة.
لغة الأرقام: كم سنوفر من "ترشيد الاستهلاك"؟
تُشير البيانات الرسمية إلى أن خطة الترشيد تهدف لتوفير كميات ضخمة من الغاز الطبيعي والمازوت، مما يحقق وفورات نقدية تتراوح بين 150 إلى 200 مليون دولار شهرياً من فاتورة استهلاك الوقود.
- معادلة النمو: كل 1% توفير في استهلاك الكهرباء محلياً، يمنح الدولة قدرة على تصدير غاز طبيعي بقيمة تقترب من 400 مليون دولار سنوياً (وفقاً لأسعار السوق العالمية الحالية).
أما عن إجمالي الوفر المستهدف، فتسعى الدولة للوصول إلى 2.2 مليار دولار سنوياً، وذلك عبر دمج سياسات الترشيد مع التوسع القوي في إدخال الطاقات المتجددة إلى الشبكة القومية، لتبدأ مصر عصراً جديداً لا تُصدر فيه الطاقة فحسب، بل تُصدر "الشمس" في صورتها الخضراء.
الهيدروجين الأخضر: "الدولار السائل" في خزائن الدولة
وعن رؤية خبراء الاقتصاد، أكد الدكتورة نهى سمير، خبيرة الطاقة والبيئة، أن مصر لا تصدر الكهرباء بشكلها التقليدي فقط، بل تصدر (شحنات كربونية صفرية).
وأضافت "سمير" في تصريح خاص لـ"بلدنا اليوم"، أن أوروبا الآن مستعدة لدفع مبالغ طائلة مقابل الهيدروجين الأخضر المصري للهروب من الغاز الروسي والالتزام بالمعايير البيئية.
وأوضحت خبيرة الطاقة، أن مصر حريصة على فتح جميع الأبواب التي تؤول إلى التوفير على المواطن خاصة في استهلاك النفط والمازوت، متوقعة أن فترة الترشيد للكهرباء لن تكون كبيرة طالما وقفت التوترات التي تحدث في العالم.

الهيدروجين الأخضر: بترول مصر الجديد في عصر "الكربون الصفر"
بينما يترقب العالم نهاية عصر الوقود الأحفوري، تضع مصر حجر الأساس لتكون "بنك الطاقة العالمي" من خلال استراتيجية الهيدروجين الأخضر التي تستهدف إضافة ما يصل إلى 18 مليار دولار للناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025.
وفي سياق متصل، أكد الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، أن خفض الاعتماد على المحطات التقليدية وتوسيع مظلة الطاقة المتجددة (المستهدف وصولها لـ 42% بحلول 2030) يجعل تكلفة إنتاج الهيدروجين في مصر هي الأقل عالمياً.
وأشار عبده في تصريحات صحفية، إلى أن هذا "البترول الجديد" لم يعد مجرد حلم، بل تُرجم لواقع باستثمارات إطارية تجاوزت 85 مليار دولار في منطقة قناة السويس الاقتصادية.
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن "تصدير الشمس" والوقود الأخضر المورد الأول للنقد الأجنبي في المستقبل، متجاوزاً في استدامته القطاعات التقليدية ومحصناً الاقتصاد ضد تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
لماذا نربط الترشيد بالهيدروجين؟
العلاقة طردية واحترافية؛ فترشيد استهلاك الكهرباء التقليدية (المعتمدة على الغاز) يحرر الميزانية العامة من أعباء الدعم، بينما التوسع في الهيدروجين الأخضر يخلق "اقتصاداً موازياً".
وعليه أوضح المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن لتحول للهيدروجين الأخضر ليس رفاهية. نحن نتحدث عن تحويل محطات التحلية، والمصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأضاف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن السفن العابرة للقناة لتعمل بهذا الوقود. هذا سيوفر للدولة أكثر من 30% من استهلاك الغاز المحلي، والذي يمكن توجيهه فوراً لقطاع البتروكيماويات ذي القيمة المضافة العالية، أو تصديره لجلب العملة الصعبة".

تحديات التحول وسيكولوجية "الاستثمار في الشمس"
رغم التفاؤل، يشير المحللون إلى أن هذا "البترول الجديد" يحتاج إلى بنية تحتية تكنولوجية معقدة. وهنا يأتي دور شركات التأمين والاستثمار (مثل الصقر) في تأمين هذه المشروعات الضخمة ضد المخاطر التشغيلية والبيئية.
إن انتقال مصر من "دولة تعاني من عجز الكهرباء" إلى "مركز إقليمي للطاقة الخضراء" يتطلب صبراً استراتيجياً، فالـ 10% التي توفرها كمواطن من استهلاك مكيف الهواء في منزلك، هي في الحقيقة "رأس مال" تضعه الدولة في بناء مفاعلات التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين.