بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

اقتصاد الظل والضوء.. كيف تُعيد "ساعات العتمة" صياغة السوق المصري؟

بلدنا اليوم

في ظل الاضطرابات المتزايدة حول العالم، ومع تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية التي باتت تضغط بعنف على موازنات الدول، أصبح العالم اليوم لا يعيش مجرد اضطراب عابر في سلاسل التوريد، بل يشهد إعادة هيكلة شاملة لموازين القوى.

 وفي خضم هذا الإعصار، تخوض الدولة المصرية تحدياً غير مألوف، يتمثل في الموازنة بين الحفاظ على استقرار العملة الأجنبية وتأمين احتياجات الطاقة التي تضاعفت فاتورة استيرادها من 1.2 مليار دولار إلى 2.5 مليار دولار شهرياً.

إدارة الأزمة بذكاء: ما وراء قرارات الترشيد والهيكلة

ومع هذه الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، مدفوعة بالصراعات الإقليمية وارتفاع أسعار الغاز المسال عالمياً، يبرز قرار "ترشيد الكهرباء" وإغلاق المحال التجارية في تمام التاسعة مساءً، والعمل عن بُعد، ليس كإجراء تقشفي فحسب، بل كإعلان عن ميلاد "اقتصاد الطوارئ الذكي"، الذي يسعى لتحويل المحنة إلى فرصة لإعادة هندسة المجتمع استهلاكياً وإنتاجياً.

الطاقة المتجددة.. الاستثمار في "الأصل المستدام"

في سياق متصل، يرى خبراء الاقتصاد الأخضر أن الضغط الحالي يسرع من وتيرة تنفيذ "استراتيجية مصر للطاقة المتجددة". ويؤكد أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، أن العائد هنا يتجاوز مجرد "توفير الكهرباء" إلى خلق سوق محلي ضخم للتقنيات البديلة.

 وأضاف في تصريحات خاصة لـ "بلدنا اليوم": "إن تحول المصانع والمنشآت التجارية للاعتماد الذاتي على الطاقة الشمسية يقلص تكلفتها التشغيلية على المدى الطويل بنسبة تصل إلى 30%، ويفتح الباب أمام تدفق استثمارات أجنبية في قطاع الهيدروجين الأخضر، مما يحول مصر من مستورد للطاقة إلى مركز إقليمي لتداولها وتصديرها".

 كما أشار إلى أن الحكومة وضعت خطة شاملة قبل الإعلان عن هذه القرارات، لضمان استقرار معيشة المواطن وتجنيبه الضغوط غير المبررة.

لغة الأرقام: فاتورة الطاقة وحماية القوة الشرائية من التضخم

ومع ذلك، تكشف لغة الأرقام حقيقة مغايرة؛ فكل ساعة "توفير" في استهلاك الوقود الموجه لمحطات الكهرباء تعني توفير ملايين الدولارات من العملة الصعبة اللازمة لاستيراد المازوت والغاز.

 ومع وصول معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 13.4%، أصبح توفير الطاقة ضرورة قومية لحماية القوة الشرائية من قفزات سعرية أكبر في السلع الأساسية، خاصة وأن ارتفاع درجات الحرارة غير المسبوق في 2026 زاد من أحمال التبريد بنسبة 18%، مما وسع من "الفجوة التمويلية للطاقة" أمام الموازنة العامة.

الرؤية الدولية: الاستدامة الهيكلية كطريق للتعافي

كشف تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي أن إجراءات "الترشيد الهيكلي" في قطاع الطاقة ليست مجرد حل مؤقت للأزمة، بل خطوة ضرورية لتقليص العجز المزدوج (الموازنة والتجارة). 

وأوضح التقرير أن توفير جزء من فاتورة الطاقة يقلل بشكل مباشر من ضغط الطلب على العملة الصعبة، مما يمنح البنك المركزي مرونة أكبر في إدارة السياسة النقدية، ويحسن التصنيف الائتماني للدولة لدى وكالات عالمية مثل "موديز"، وهو ما يعزز ثقة المستثمر الأجنبي في استقرار الاقتصاد الكلي.

الثورة الرقمية: نمو اقتصاد "اللوجستيات" والتجارة الإلكترونية

من جانبه، أوضح رضا لاشين، الخبير الاقتصادي، أن قرارات غلق المحال والعمل عن بُعد ساهمت في نمو منصات التجارة الإلكترونية في مصر بنسبة 25% خلال الربع الأول من 2026.

 وأضاف في تصريحات صحفية أن المواطن الذي كان يقضي ساعات في الزحام واستهلاك الطاقة بمراكز التسوق، أصبح يمارس نشاطه الاستهلاكي عبر هاتفه، مما يقلص "البصمة الكربونية" ويرفع كفاءة التوزيع عبر قطاع "اللوجستيات"، الذي بات يمثل الشريان الأبهر للاقتصاد الجديد.

تحويل العمل عن بُعد بداية من الأحد 

يمثل قرار العمل من المنزل يوم الأحد تحولاً تاريخياً في فلسفة الإدارة المصرية؛ حيث بدأت الشركات الكبرى تدرك أن العمل عن بُعد يوفر ما لا يقل عن 15% إلى 20% من تكاليف التشغيل التي تشمل (الكهرباء، المياه، الصيانة، وتكاليف النقل).

تم نسخ الرابط