وائل الغول يكتب .. “الوزير الكافر”.. من يدير آلة الحرب الأمريكية؟
ليست كل القرارات العسكرية تُكتب في غرف العمليات…
بعضها يُولد أولًا في العقول التي ترى العالم كمعركة مفتوحة بين عقائد لا تتصالح.
في المؤسسة العسكرية الأمريكية اليوم، لم يعد الجدل مقتصرًا على السلاح والتكتيك،
بل امتد إلى سؤال أكثر عمقًا وخطورة:
من يحدد صورة “العدو” أصلًا؟
هل هو تحليل استخباراتي… أم انعكاس لرؤية فكرية–دينية ترى الصراع كامتداد لمعركة قيم وهوية وعقيدة؟
⸻
كيف يفكر الرجل؟
وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، لم يصل إلى موقعه من فراغ.
مرّ بمراحل تحول فكري وديني، من إيمان متذبذب إلى تبنٍ واضح لرؤية إنجيلية محافظة، ثم انتقال تدريجي نحو دمج هذه القناعات داخل خطابه العام وممارساته الرسمية.
هذا المسار أنتج شخصية تميل إلى:
* الحسم الفكري
* وضوح الهوية
* رفض المناطق الرمادية
وفي الخلفية… تجربة عسكرية سابقة وضغط نفسي من الخدمة في مناطق صراع، ساهمت في تشكيل تصور أكثر حدّة عن العالم قائم على فكرة المواجهة المستمرة.
⸻
خطاب صريح: العالم كساحة صراع قيم
في كتابه American Crusade (2020)، يقدم هيغسيث تصورًا مباشرًا للعالم:
* صراع بين “المسيحية الغربية” وخصوم أيديولوجيين
* وصف الإسلام بأنه تهديد وليس مجرد اختلاف ديني
* الدعوة إلى “حملة صليبية أمريكية” ضد ما يسميه “اليسار الإلحادي”
* ربط دعم إسرائيل بهوية دينية مسيحية
* اعتبار الهجرة الإسلامية “تهديدًا ديموغرافيًا”
وقبل توليه منصبه، تحدث عن احتمال تحقق “معجزة” تتعلق ببناء الهيكل الثالث في موقع المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وهو ما يعكس امتزاجًا واضحًا بين التصور الديني والقراءة السياسية للصراع.
هذا الخطاب يعيد تعريف الصراع نفسه:
من تنافس سياسي إلى مواجهة بين منظومات قيم.
⸻
التحول الكنسي: من الفرد إلى الشبكة
الانتماء إلى
Communion of Reformed Evangelical Churches
يعكس انتقالًا من قناعة فردية إلى بيئة فكرية متكاملة:
* شبكة محافظة أسسها دوج ويلسون
* تؤمن بسيادة الدين على مجالات الحياة
* تمتد تأثيراتها إلى التعليم والمجتمع
* وتعيد تفسير السياسة من منظور عقائدي
هذا الإطار لا يدعم فقط الإيمان، بل يعيد تشكيل طريقة فهم العالم.
⸻
الرموز الشخصية… رسائل غير مباشرة
الجدل حول هيغسيث لا ينفصل عن رموزه الشخصية:
* وشوم مرتبطة بالحملات الصليبية مثل “Deus Vult”
* كلمة “كافر” بالعربية
* صليب القدس
* رموز دينية واقتباسات كتابية
هذه الرموز ليست مجرد تعبير فردي، بل انعكاس لهوية فكرية معلنة، يرى البعض أنها تعبير عن قناعة، بينما يراها آخرون مؤشرات على رؤية أيديولوجية حادة.
⸻
من الكتاب إلى الفعل: الأساس الفكري
كتاب American Crusade لا يكتفي بالتحليل، بل يؤسس لرؤية صراعية:
* “الإسلام ليس دين سلام”
* استدعاء نموذج الحروب الصليبية
* الحديث عن “معركة حضارية”
* ربط السياسة بالدين بشكل مباشر
هذه الرؤية تضع العالم داخل إطار ثنائي:
نحن/هم، خير/شر، إيمان/تهديد.
⸻
من الفكرة إلى التطبيق داخل المؤسسة
التحول الأهم حدث بعد توليه المنصب.
تم إدخال طقوس دينية داخل المؤسسة العسكرية عبر خدمات صلاة دورية داخل البنتاغون، بمشاركة عسكريين ومدنيين.
الخدمة الأولى بعد بدء الحرب مع إيران (مارس 2026) تضمنت صلاة علنية طُلب فيها:
* “عنفًا ساحقًا في العمل ضد من لا يستحقون الرحمة”
* “كل رصاصة تصيب هدفها”
* “اكسر أسنان الأشرار”
* وخُتمت بـ“باسم يسوع المسيح”
كما تمت دعوة قساوسة من التيار الإنجيلي المحافظ مثل بروكس بوتيجر ودوج ويلسون، المرتبطين بالخط الفكري نفسه.
وقبل ذلك أثار جدلًا عند حديثه عن “العدو الإسلامي”، سواء كان سنيًا أو شيعيًا، وهو توصيف يتجاوز التصنيف الأمني التقليدي إلى إطار أوسع وأكثر عمومية.
هذا ليس تفصيلًا رمزيًا… بل انعكاس لبنية فكرية يتم نقلها إلى داخل مؤسسة رسمية.
⸻
الصلاة الأخيرة… كمرآة للعقيدة
الخطاب الديني داخل البنتاغون يُظهر تداخلًا واضحًا بين:
* الرمزية الدينية
* الوظيفة العسكرية
* الخطاب السياسي
الدعاء بـ“عنف ساحق” وربط النصر باليقين الديني يعكس تصورًا يعتبر الصراع اختبارًا قيميًا بقدر ما هو عسكري.
وهنا يظهر الخطر:
إعادة تعريف العدو ليس فقط كخصم استراتيجي، بل كخصم أخلاقي/حضاري.
⸻
إعادة تشكيل للجيش
التغييرات لم تتوقف عند الطقوس، بل امتدت إلى:
* إعادة توجيه برامج القساوسة العسكريين
* التركيز على “الإيمان التقليدي”
* تقليل الحضور العلماني في بعض الفعاليات
هذا يعكس محاولة لإعادة ضبط البيئة الثقافية داخل الجيش بما يتماشى مع رؤية تعتبر أن القيم الدينية جزء من هوية القوة، لا عنصرًا خارجيًا عنها.
⸻
من الفرد إلى المؤسسة
الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود هذه القناعات لدى فرد… بل في انعكاسها داخل مؤسسة بحجم البنتاغون:
* تغير في لغة التفكير
* إعادة تعريف للتهديدات
* تشكيل بيئة ذهنية مشتركة
* تأثير غير مباشر على صناعة القرار
وهنا يصبح التأثير مؤسسيًا وليس شخصيًا فقط.
⸻
الانعكاس على القرار العسكري
وجود هذه الخلفية الفكرية لا يعني أن القرار يُتخذ بدافع ديني مباشر، لكنه يؤثر على طريقة الإدراك قبل القرار:
* تعريف العدو كخصم حضاري
* الميل إلى الحسم بدل الاحتواء
* زيادة مستوى اليقين وتقليل التردد
* إدخال البعد الرمزي في قراءة العمليات
* إعادة ترتيب الأولويات وفق رؤية قيمية
التصريحات والخطابات التي تربط النصر بالإيمان تدفع نحو رؤية تعتبر الصراع اختبارًا وجوديًا، لا مجرد مواجهة استراتيجية.
وهنا يتحول القرار من:
إدارة صراع… إلى تنفيذ رسالة.
⸻
المعادلة الحاسمة
في النهاية، المعادلة ليست معقدة بقدر ما هي حاسمة.
التوجهات العسكرية ليست معزولة عن صاحب القرار، بل هي امتداد لطريقة تفكيره وإدراكه للعالم.
والسؤال هو : هل القرار العسكري الأمريكي يبدأ من غرفة العمليات… أم من الإطار العقائدي الذي يحدد أصلًا من هو العدو؟!