خالد صالح يكتب: سيناريو الرعب في الخليج.. ماذا لو ضُرب مفاعل بوشهر؟
في منطقةٍ تُقاس فيها الحياة بقطرة ماء، ويُعاد فيها تعريف الأمن القومي على أساس "الأمن المائي"، يقف مفاعل "بوشهر" النووي على ضفاف الخليج كواحد من أخطر نقاط الاشتعال المحتملة في العالم، ضربة واحدة لهذا المفاعل لا تعني مجرد تصعيد عسكري، بل قد تفتح أبواب كارثة إشعاعية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لتضع دول الخليج كلها أمام اختبار وجودي غير مسبوق.
السيناريو لا يبدأ بانفجار نووي تقليدي كما يتخيل البعض، بل بسلسلة من الأعطال التقنية القاتلة، فبمجرد تعرض المفاعل لضربة مباشرة، أو حتى تعطيل مصادر الطاقة عنه، تتوقف أنظمة التشغيل، لكن التفاعل الحراري داخل قلب المفاعل لا يتوقف.
ومع غياب التبريد الكافي، تبدأ درجات الحرارة في الارتفاع بشكل جنوني، ما قد يؤدي إلى انصهار الوقود النووي، وهي اللحظة التي يتحول فيها المفاعل من منشأة طاقة إلى مصدر تسرب إشعاعي واسع النطاق، عندها تنطلق مواد مشعة خطيرة مثل السيزيوم واليود في الهواء والمياه، لتبدأ كارثة لا يمكن احتواؤها بسهولة.
هنا تتجلى خطورة الموقع الجغرافي؛ فمفاعل بوشهر ليس في عمق اليابسة، بل على ساحل الخليج مباشرة، ما يجعل أي تسرب إشعاعي مرشحًا للانتشار بسرعة عبر التيارات البحرية والرياح، وفي منطقة ضيقة نسبيًا مثل الخليج، حيث تتقارب الدول وتتداخل المياه، يصبح التلوث مسألة وقت لا أكثر، فالإشعاع لن يعترف بالحدود، ولن يتوقف عند دولة بعينها، بل سيمتد ليهدد الجميع بلا استثناء.
لكن الكارثة الحقيقية لا تكمن فقط في الإشعاع، بل في ما سيضرب شريان الحياة الأول لدول الخليج: المياه، فهذه الدول تعتمد بشكل شبه كامل على تحلية مياه البحر لتوفير احتياجاتها اليومية.
وفي حال تلوث مياه الخليج إشعاعيًا، ستُجبر محطات التحلية على التوقف الفوري، لأن تشغيلها في ظل وجود مواد مشعة يعني ضخ مياه ملوثة مباشرة إلى السكان، فخلال أيام قليلة، قد تجد بعض الدول نفسها أمام نفاد شبه كامل لمخزون المياه الصالحة للشرب، وهو سيناريو لم تعشه المنطقة من قبل.
ومع توقف محطات التحلية، يبدأ تأثير الدومينو. هذه المحطات ليست منشآت مستقلة، بل جزء من منظومة مترابطة مع شبكات الكهرباء والطاقة، فتوقفها يعني ضغطًا هائلًا على منظومات الكهرباء، وقد يؤدي إلى انقطاعات واسعة، خاصة مع ارتفاع الطلب في بيئة صحراوية قاسية.
ومع تضرر البنية التحتية الساحلية، بما فيها منشآت النفط والغاز، قد تتحول الأزمة إلى شلل اقتصادي شامل، يضرب قلب الاقتصاد العالمي، لا الإقليمي فقط.
الخبراء لا يترددون في استخدام مصطلحات صادمة لوصف هذا السيناريو؛ إذ يشبهه البعض بـ"تشيرنوبل الخليج"، لكن مع فارق جوهري: الكثافة السكانية العالية، والاعتماد الكامل على البحر، وضيق المساحة الجغرافية، كلها عوامل تجعل التأثير أكثر سرعة وانتشارًا.
الأمر لا يتعلق فقط بإخلاء مناطق محدودة، بل باحتمالات نزوح جماعي، وارتفاع معدلات الأمراض السرطانية على المدى الطويل، وتلوث بيئي قد يستمر لعقود.
ورغم كل هذه التحذيرات، فإن الواقع حتى الآن يشير إلى أن الكارثة لم تقع، فلم تُسجل مستويات إشعاع غير طبيعية، ولم يتعرض قلب المفاعل لضربة مباشرة، وهو ما يمنح المنطقة هدنة مؤقتة، لكنها هدنة هشة؛ لأن كل عناصر الخطر لا تزال قائمة: توتر عسكري، منشأة حساسة، وجغرافيا لا ترحم.
الخلاصة التي لا يمكن تجاهلها أن استهداف مفاعل بوشهر لن يكون مجرد حدث عسكري عابر، بل نقطة تحول قد تعيد رسم خريطة الحياة في الخليج، إنها معادلة قاسية تختصر المشهد كله: ضربة واحدة قد تعني عطشًا جماعيًا، وظلامًا اقتصاديًا، وخطرًا إشعاعيًا يمتد لأجيال، وفي منطقة لا تملك رفاهية البدائل الطبيعية للمياه، قد تكون هذه الضربة أخطر من أي سلاح تقليدي… لأنها ببساطة تستهدف الحياة نفسها.