بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

معهد الفضة: أسعار قياسية وتدفقات استثمارية غير مسبوقة رغم تراجع الطلب الصناعي

بلدنا اليوم

يمر سوق الفضة العالمي حالياً بمرحلة تحول جذري وشاملة في بنيته واتجاهاته خلال الفترة ما بين 2025 و2026، حيث تتشابك التعقيدات الاقتصادية والجيوسياسية مع التغيرات في المشهد الصناعي والاستثماري، مما أحدث تأثيراً مباشراً وحاداً على مستويات الأسعار وديناميكيات العرض والطلب.

 وبناءً على ما ورد في تقرير "World Silver Survey 2026"، الصادر عن معهد الفضة العالمي فقد عاشت الفضة عاماً استثنائياً بكل المقاييس خلال 2025، إذ قفز متوسط سعر الأوقية بنسبة هائلة بلغت 42% ليتجاوز حاجز 40 دولاراً، بعدما استهل العام عند مستويات متدنية لم تتجاوز 29 دولاراً، قبل أن يندفع المعدن في مسار صعودي جامح بلغ ذروته عند 84 دولاراً في ديسمبر، مدفوعاً بتقلص حاد في المخزونات العالمية وتزايد لافت في شهية المستثمرين، تزامناً مع اضطرابات في السيولة شهدتها الأسواق الكبرى.

وقد برز هذا الأداء القوي للفضة بعد فترة تفوق فيها الذهب خلال النصف الأول من العام نتيجة تصاعد المخاطر الجيوسياسية، إلا أن الفضة تمكنت من تقليص هذه الفجوة ببراعة خلال النصف الثاني، مستمدة قوتها من الطلب الفعلي المتزايد وارتفاع أسعار المعادن الصناعية، وهو ما دفع المحافظ الاستثمارية لإعادة التمركز نحو "المعدن الأبيض" بعد وصول نسبة الذهب إلى الفضة لمستويات مغرية. 

وعلى مقلب العرض، شهد الإنتاج المنجمي العالمي نمواً بنسبة 3% ليصل إلى 846.6 مليون أوقية بفضل انتعاش النشاط في أمريكا اللاتينية، وتحديداً في تشيلي وبيرو، في حين عانى الإنتاج في أمريكا الشمالية من تراجع واضح بسبب التحديات التنظيمية والتشغيلية في المكسيك، بينما سجل المعروض الناتج عن إعادة التدوير أعلى مستوياته منذ 13 عاماً بنسبة نمو بلغت 2%، مدعوماً بجاذبية الأسعار المرتفعة التي شجعت على التخلي عن خردة المجوهرات والأواني.

 

وفي المقابل، سجل الطلب العالمي تراجعاً بنسبة 2% ليستقر عند 1.13 مليار أوقية، وهو الأدنى منذ عام 2021، متأثراً بضعف الطلب الصناعي بنسبة 3%، ولا سيما في قطاع الطاقة الشمسية الذي اتجه نحو تقليل استخدام الفضة في عمليات التصنيع لخفض التكاليف، رغم استمرار الطلب القوي من قطاعات التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية. 

كما أدت القفزات السعرية إلى كبح الطلب الاستهلاكي، حيث تراجعت مبيعات المجوهرات بنسبة 8% والأواني الفضية بنسبة 21%، خاصة في السوق الهندية والأسواق الآسيوية نتيجة تآكل القدرة الشرائية، في حين انتعش الطلب الاستثماري على السبائك والعملات بنسبة 14% مدفوعاً بمخاوف التضخم والسياسات المالية الأمريكية.

هذا التباين الحاد أدى في نهاية المطاف إلى تسجيل عجز في السوق للسنة الخامسة على التوالي بواقع 40.3 مليون أوقية، مما استنزف المخزونات وزاد من حدة التقلبات، وصولاً إلى أزمة سيولة حادة في أكتوبر 2025 نتيجة تحول التدفقات نحو البورصات وصناديق الاستثمار المتداولة.

 ومع مطلع عام 2026، دخلت الفضة موجة جديدة من الاضطرابات السعرية، حيث لامست مستوى تاريخياً تجاوز 121 دولاراً في يناير قبل أن تعاود الهبوط بفعل جني الأرباح والتوترات العسكرية التي دعمت الدولار.

 وتشير المعطيات الحالية إلى استمرار حالة العجز خلال 2026 بنحو 46.3 مليون أوقية، مما يضع السوق في حالة من التوازن الهش، حيث تتصارع القوى الاستثمارية والهيكلية الداعمة للسعر مع تحديات الطلب الصناعي والتقلبات الاقتصادية العالمية، مما يجعل الفضة من أكثر الأصول حساسية وتأثراً بالتحولات في المشهد الدولي والسياسات النقدية.

 

تم نسخ الرابط