التصالح في مخالفات البناء.. أزمة تتجدد بين قصور التشريع وتعقيدات التنفيذ
لا يزال ملف التصالح في مخالفات البناء يمثل واحدة من أعقد القضايا التي تواجه الشارع المصري، في ظل تكرار المحاولات التشريعية دون الوصول إلى حل جذري ينهي الأزمة، ومع طرح مشروع قانون جديد، تتجدد التساؤلات حول جدوى التشريع في ظل تجارب سابقة لم تحقق أهدافها، وحول قدرة الجهاز التنفيذي على تطبيق أي قانون جديد دون الوقوع في نفس أخطاء الماضي، وفي هذا الإطار، تكشف مناقشات هاتفية مع عدد من أعضاء مجلس النواب عن صورة أكثر تفصيلاً وعمقاً، ترصد أسباب الفشل، وتضع يدها على مواطن الخلل، وتطرح رؤى مختلفة لمستقبل هذا الملف.

إيهاب منصور: “القوانين السابقة ليست مسؤوليتي.. والحكومة مصرة على الفشل”
يرى النائب ايهاب منصور وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب أن توصيف مشروعه الجديد بأنه “الحل الأخير” ينبع من قناعة راسخة بأن القوانين السابقة لم تكن معبرة عن رؤى إصلاحية حقيقية، مؤكداً أن مقترحاته السابقة لم يتم الأخذ بها، بينما مضت الحكومة في مسار مختلف.
ويؤكد أن المؤشرات الواقعية تكشف حجم الفشل، مشيرًا إلى أن الحكومة تمتلك أرقاماً دقيقة لكنها لا تعلنها، في وقت لم تنجح فيه القوانين السابقة في تحقيق نسب مقبولة من التصالح، ويستشهد بتوقعاته السابقة، حيث لم تتجاوز النتائج 3% في إحدى التجارب، فيما لم تصل في تجربة أخرى إلى 15% رغم التوقعات الأعلى.
نماذج تعجيزية عطّلت المواطنين
ويعزو منصور هذا الفشل إلى عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها نصوص تشريعية عطّلت التطبيق، إلى جانب أخطاء في التنفيذ، وضعف فهم بعض القائمين على التطبيق داخل المحليات. ويضرب مثالاً بإلزام المواطن بدهان كامل العقار رغم أن المخالفة قد تكون جزئية، وهو ما أدى إلى عزوف قطاع كبير من المواطنين،
كما يشير إلى أن بعض الاشتراطات، مثل “نموذج 10”، أوقفت فعلياً غالبية المتقدمين، حيث لم يستفد منها سوى نسبة محدودة، بينما ظلت الأغلبية خارج المنظومة.
رؤية تشريعية بديلة وضمانات التنفيذ
وفي السياق ذاته، يطرح منصور رؤية قائمة على تعديل القواعد العامة داخل القانون بما يُلزم اللائحة التنفيذية بإيجاد حلول مرنة، مع تأكيده على أهمية مشاركته في إعداد اللائحة، مستنداً إلى خبرته السابقة في هذا الملف عبر ثلاثة فصول تشريعية، إلى جانب عمله كنقيب سابق لمهندسي الجيزة،كما يؤكد أن ملف المرفوضين يحتاج إلى إعادة نظر شاملة، خاصة في ظل غياب بيانات دقيقة من الحكومة، وهو ما سيتم طرحه خلال المناقشات البرلمانية.

في السياق ذاته.. نيفين رجائي: “المشكلة تبدأ من المواطن ولا تنتهي عند الموظف”
تؤكد النائبة نيفين رجائي صموئيل عضو لجنة الادارة المحلية بمجلس النواب أن أزمة التصالح لا يمكن فصلها عن سلوكيات المواطنين، مشيرة إلى أن بعض المخالفات ناتجة عن سعي لتحقيق مصالح شخصية دون النظر إلى الأثر العام، خاصة فيما يتعلق بالبناء على الأراضي الزراعية، وترى أن الدولة حاولت احتواء هذه الظاهرة عبر قوانين التصالح، إلا أن التنفيذ لم يكن بنفس الكفاءة، حيث ظهرت تفاوتات واضحة بين الحالات.
خلل في التنفيذ بين المواطن والموظف
وتقر بوجود “ديفوهات” في التنفيذ، موضحة أن التأخير قد يكون ناتجاً عن المواطن نفسه بسبب نقص الأوراق، أو عن الموظف نتيجة التأجيل أو التعطيل، إضافة إلى الأعباء الناتجة عن كثرة الأوراق المطلوبة، كما تشير إلى أن هذه التعقيدات ساهمت في عزوف بعض المواطنين عن استكمال إجراءات التصالح.
الجهاز الإداري بين الجاهزية والحاجة للتأهيل
وفيما يتعلق بقدرة الجهاز الإداري على تطبيق قانون جديد، تؤكد أن الحكم لا يمكن أن يكون مسبقاً، خاصة في ظل عدم اكتمال الرؤية حول تفاصيل القانون، لافتة إلى أن بعض العناصر قد تحتاج إلى تدريب وتأهيل لضمان حسن التنفيذ، وتشدد على ضرورة تحقيق توازن عادل بين حق الدولة والمواطن، مع إمكانية التفرقة بين حجم المخالفات دون الإخلال بمبدأ تطبيق القانون.

وعلى نفس المسار.. وليد المليجي: “المسؤولية مشتركة.. والتعقيد يصنع الأزمة”
يوضح النائب وليد المليجي عضو لجنة الادارة المحلية بمجلس النواب أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في النصوص القانونية، بل في آليات التنفيذ، مشيراً إلى أن تعدد النماذج وطول مدة الإجراءات يدفع المواطنين إلى التباطؤ في استكمال ملفات التصالح.
ثقافة المجتمع عنصر حاسم
ويؤكد أن المسؤولية مشتركة بين المواطن والجهات التنفيذية، موضحاً أن هناك خللاً في الثقافة العامة، حيث يسعى البعض إلى إيجاد طرق مختصرة لإنهاء الإجراءات، في حين تسهم البيروقراطية في تعقيد المشهد.
توحيد التطبيق مفتاح الحل
ويشدد على أن اختلاف تفسير القوانين بين المحافظات يمثل أحد أبرز أوجه الخلل، داعياً إلى توحيد آليات التنفيذ بحيث يتم تطبيق القانون بنفس النهج في جميع أنحاء الجمهورية.
كما يطالب بضرورة التفرقة بين أنواع المخالفات داخل القانون نفسه، بما يحقق العدالة بين الحالات المختلفة.
تفاؤل حذر بمستقبل الملف
وفيما يتعلق بمستقبل التصالح، يرى أن ظهور مخالفات جديدة أمر طبيعي، لكنه يعرب عن أمله في أن يكون القانون الجديد خطوة حقيقية نحو إنهاء الأزمة خلال الفصل التشريعي الحالي.
خلاصة المشهد: هل تتغير المعادلة؟
تعكس هذه الطروحات البرلمانية، بتفاصيلها الكاملة، صورة واضحة لأزمة مركبة تتداخل فيها عوامل التشريع والتنفيذ والسلوك المجتمعي، وبين التفاؤل بإصدار قانون جديد، والتحذيرات من تكرار نفس الأخطاء، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الدولة في هذه المرة على تحويل النصوص القانونية إلى واقع عملي مختلف.
ويبقى السؤال الأهم: هل نشهد نهاية فعلية لملف التصالح، أم أننا أمام فصل جديد من نفس الأزمة؟



