إيران في عزلة رقمية غير مسبوقة.. الإنترنت لا يتجاوز 2% منذ 51 يوماً
تواصل إيران تسجيل سابقة غير مسبوقة بدخولها اليوم الحادي والخمسين من الانقطاع شبه الكامل عن الإنترنت العالمي، في أزمة تُعد الأطول لدولة كانت مرتبطة بالشبكة الدولية بشكل منتظم.
ووفقاً لبيانات منظمة “NetBlocks”، لم تتجاوز مستويات الاتصال داخل البلاد 2% فقط من المعدل الطبيعي، رغم مرور نحو 11 يوماً على إعلان وقف إطلاق النار، ما يعكس استمرار القيود المفروضة على البنية الرقمية.
بداية الأزمة.. من التصعيد العسكري إلى الحجب الكامل
تعود جذور الأزمة إلى 28 فبراير الماضي، حين بدأت السلطات الإيرانية فرض قيود واسعة على الإنترنت، تزامناً مع اندلاع الهجوم الإسرائيلي الأمريكي.
ورغم تراجع حدة التوترات لاحقاً، فإن القيود استمرت، ما عمّق عزلة البلاد وأدى إلى تداعيات واسعة على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها الاقتصاد الرقمي.
وفي محاولة لتخفيف حدة الأزمة، تعتمد الحكومة على شبكة داخلية توفر خدمات محدودة مثل التطبيقات البنكية وخدمات المراسلة، لكنها لا تفي بمتطلبات النشاط الاقتصادي الحديث، خاصة في ظل الضغوط الناتجة عن العقوبات الدولية.
في المقابل، يلجأ عدد محدود من المستخدمين إلى حلول بديلة مثل خدمات VPN أو الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وعلى رأسها “Starlink”، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر قانونية قد تصل إلى الملاحقة أو الاعتقال.
خسائر اقتصادية يومية.. وأعمال على حافة الانهيار
تكشف التقديرات الرسمية عن خسائر اقتصادية تُقدر بنحو 30 مليون يورو يومياً نتيجة الانقطاع، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أرقام أعلى بكثير.
ويشبه خبراء هذه الخسائر بفقدان إنتاج محطتي طاقة يومياً، في دلالة على حجم التأثير العميق على الاقتصاد.
وعلى أرض الواقع، تبدو الصورة أكثر قتامة، حيث تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة خطر التوقف الكامل، مع تعطل عمليات البيع والتواصل مع العملاء، إلى جانب تراجع الطلب بشكل حاد.
كما اضطر عدد من رواد الأعمال إلى تقليص العمالة أو بيع أصولهم لتغطية النفقات التشغيلية، في ظل غياب أي مؤشرات على انفراجة قريبة.
سوق العمل يتجمد.. والفرص تختفي
لم يكن سوق العمل بمنأى عن الأزمة، إذ أصبح البحث عن وظائف شبه مستحيل في ظل تعطل المنصات الرقمية، التي تمثل القناة الأساسية للتوظيف.
كما تراجعت الطلبات على الخدمات الإلكترونية بشكل غير مسبوق، من معدلات يومية إلى عدد محدود من الطلبات الشهرية، ما يعكس حالة ركود حادة تضرب الاقتصاد الرقمي.
عزلة رقمية وآثار نفسية متصاعدة
إلى جانب التداعيات الاقتصادية، ترك الانقطاع أثراً نفسياً واضحاً على المواطنين، الذين يعانون من صعوبة التواصل مع العالم الخارجي، بل وحتى داخل البلاد نفسها.
ويتحدث كثير من الإيرانيين عن تزايد مشاعر الإحباط واليأس، في ظل استمرار القيود وغياب المعلومات الدقيقة حول موعد عودة الإنترنت بشكل طبيعي.
ورغم انتشار شائعات متكررة عن قرب استعادة الخدمة، فإن الثقة في هذه الوعود تراجعت بشكل ملحوظ، خاصة بعد تجارب سابقة شهدت عودة جزئية فقط مع استمرار الرقابة.
أزمة تتجاوز التكنولوجيا
في المجمل، لا تبدو أزمة الإنترنت في إيران مجرد خلل تقني أو إجراء مؤقت، بل تعكس واقعاً أكثر تعقيداً من الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية، يدفع ثمنه المواطن بشكل يومي، في ظل غياب أفق واضح للحل.



