بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

الانتحار في العصر الرقمي.. “عدوى صامتة” تتسلل عبر الشاشات وتستهدف العقول

الانتحار في العصر
الانتحار في العصر الرقمي

في ظل تسارع التحولات الرقمية وتزايد الضغوط الحياتية، تبرز ظاهرة الانتحار كأحد أخطر التحديات المعاصرة، والتي لم تعد تُقرأ باعتبارها أزمة نفسية فردية فقط، بل كظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية مع التأثيرات الرقمية الحديثة.
 

وبات المشهد، بحسب خبراء، أقرب إلى “عدوى رقمية صامتة” تتسلل عبر المنصات والشاشات، وتعيد تشكيل وعي الأفراد تدريجياً، حتى يصبح اليأس فكرة قابلة للتداول بدلاً من كونه شعوراً عابراً.
 

الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء أشرف عبد العزيز
الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء أشرف عبد العزيز

البعد الأمني: تهديد ناعم للأمن المجتمعي
 

يرى الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء أشرف عبد العزيز أن ظاهرة الانتحار في سياقها الحديث تجاوزت الإطار النفسي التقليدي، لتصبح جزءاً من تحديات الأمن المجتمعي، مشيراً إلى أنها تمثل “تهديداً ناعماً” يستهدف الإدراك قبل السلوك.


وأوضح أن الفضاء الرقمي أصبح بيئة خصبة لاستهداف الفئات العمرية الأصغر عبر محتوى موجّه بدقة، يروّج لثقافة الاستسلام وفقدان القيمة، بما ينعكس على تشكيل الوعي تدريجياً.


وأضاف أن تقارير دولية رصدت ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الانتحار داخل بعض الدول الأكثر استهلاكاً للتكنولوجيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بنسب تجاوزت 25%، وهو ما يعكس ارتباطاً متزايداً بين العزلة الرقمية وتدهور الحالة النفسية.


وشدد على ضرورة التعامل مع الظاهرة باعتبارها ملف أمن قومي، يتطلب رقابة على المحتوى الرقمي، إلى جانب إطلاق حملات توعوية لحماية الشباب من التأثيرات الفكرية السلبية.
 

خبيرة الأمن الرقمي الدكتورة إيناس عبد العزيز 
خبيرة الأمن الرقمي الدكتورة إيناس عبد العزيز 

قراءة علمية: الخوارزميات والفقاعة النفسية


من جانبها، قدمت خبيرة الأمن الرقمي الدكتورة إيناس عبد العزيز قراءة تحليلية تركز على تأثير التكنولوجيا في تشكيل السلوك النفسي، موضحة أن الخوارزميات الحديثة تعتمد على ما يُعرف بـ”الفقاعة النفسية الرقمية”.
 

وأشارت إلى أن المنصات الإلكترونية، مع تكرار تعرض المستخدم لمحتوى معين، قد تدفعه تدريجياً نحو مواد أكثر سلبية وسوداوية، خاصة في حالات المرور باضطرابات مزاجية أو ضغوط نفسية، مما يعزز حالة العزلة والتشاؤم.
 

كما حذرت من تأثير الألعاب الإلكترونية، موضحة أنها قد تساهم في “إزالة حساسية الخطر” لدى بعض المراهقين، نتيجة تقديم مفهوم غير واقعي للموت والحياة، وهو ما قد يؤثر على إدراكهم للواقع الفعلي.


ودعت إلى تطوير أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على رصد المؤشرات السلوكية المرتبطة بالأفكار الانتحارية، والتدخل المبكر بالتنسيق مع الجهات المختصة.
 

خلاصة تحليلية: مواجهة متعددة الأبعاد
 

تكشف الرؤيتان الأمنية والعلمية أن ظاهرة الانتحار لم تعد قضية فردية معزولة، بل ملفاً مركباً يجمع بين التكنولوجيا والسلوك الإنساني والبيئة الاجتماعية.


وتتطلب المواجهة، وفق هذا الطرح، شراكة شاملة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمؤسسات التعليمية، ولا تنتهي عند المنصات الرقمية، وصولاً إلى سياسات توعوية ورقابية متكاملة، تهدف إلى حماية الأفراد من “الموت الصامت” الذي يتشكل داخل الفضاء الرقمي بشكل تدريجي وغير مرئي.

تم نسخ الرابط