سيناء تكتب تاريخًا جديدًا.. استثمارات بالمليارات ونهضة بلا توقف
سيناء التي كانت تُعرف بالرمال والجبال، أصبح اسمها يتردد بقوة في الآونة الأخيرة، خاصة مع ما شهدته من بطولات وحروب على أرضها المباركة.
واليوم، تتحول هذه البقعة الغالية إلى ساحة لأكبر عملية تنمية شاملة في الشرق الأوسط.
ففي "جنوب سيناء"، تلك المحافظة الساحرة التي تمتد على مساحة 31 ألف كيلومتر مربع، نشهد ما يمكن وصفه بـ"العبور الثاني"، وهو انتقال نوعي من اقتصاد يعتمد على السياحة الشاطئية إلى اقتصاد متكامل يجمع بين السياحة، والتعدين، والتعليم، والصناعات الثقيلة بمختلف أشكالها.
وفي هذا التقرير الذي أعددناه في صحيفة "بلدنا اليوم"، نغوص في أرقام الموازنات الضخمة، ونرصد تطور المناطق الصناعية في "أبو زنيمة" و"الطور"، إلى جانب حجم الصادرات التي تنطلق من موانئ سيناء نحو أسواق أوروبا وآسيا، مع استعراض حجم الاستثمارات وثقة المستثمرين في مستقبل هذه الأرض.
150 مليار جنيه لتغيير وجه "أرض الفيروز"
كشفت تقارير حكومية حديثة عن ضخ استثمارات تاريخية في محافظة جنوب سيناء تجاوزت 150 مليار جنيه خلال العقد الأخير، ولم يكن هذا الإنفاق مجرد تطوير للبنية التحتية، بل استثمارًا استراتيجيًا لربط سيناء بالوادي عبر شبكة طرق لوجستية بلغت تكلفتها 5.5 مليار جنيه، أبرزها طريق (النفق – شرم الشيخ).
كما تم تخصيص 13 مليار جنيه لإنشاء جامعة الملك سلمان الدولية، لتكون صرحًا تعليميًا وتنمويًا يدعم بناء مجتمعات عمرانية مستدامة بعيدًا عن موسمية السياحة.
204 مصانع تقود النهضة الصناعية
شهدت منطقة "أبو زنيمة" تحولًا كبيرًا لتصبح قاطرة للصناعة الثقيلة في مصر، على مساحة 3908 أفدنة، وتشير الإحصاءات حتى مطلع 2026 إلى وجود 204 مصانع منتجة، إلى جانب 173 مصنعًا تحت الإنشاء.
وتركز هذه المصانع على الصناعات التعدينية والتحويلية، باستثمارات تُقدر بنحو 6.5 مليار دولار، ما جعل المحافظة مركزًا مهمًا لإنتاج المنجنيز والرخام والأسمنت والكيماويات.
المنجنيز والسيليكون يغزوان الأسواق العالمية
لم تعد جنوب سيناء تكتفي بتصدير المواد الخام، بل انتقلت إلى مرحلة "القيمة المضافة".
وتتصدر شركة سيناء للمنجنيز المشهد بطاقة إنتاجية تصل إلى 36 ألف طن سنويًا من سبائك "السيليكون منجنيز" الموجهة للتصدير إلى أوروبا وشرق آسيا.
كما نجحت مصانع الرخام والجرانيت في رأس سدر والطور في فتح أسواق جديدة، مستفيدة من جودة الخام السيناوي، بما يعزز الحصيلة الدولارية ويُرسخ علامة "صنع في مصر" عالميًا.
تحالفات دولية ومحلية على أرض سيناء
تشهد جنوب سيناء تنوعًا لافتًا في هوية المستثمرين، حيث تقود السعودية والإمارات الاستثمارات العربية في قطاعات التعليم والضيافة، بينما يبرز دور القطاع الخاص المصري من خلال كيانات كبرى مثل "طلعت مصطفى" و"أوراسكوم" و"ترافكو".
كما نجحت المحافظة في جذب استثمارات أجنبية، خاصة من إسبانيا والصين، في مجالات تكرير الرمال الزجاجية وتكنولوجيا الرخام، ما يعزز من تنافسيتها عالميًا.
السياحة الروحية والبيئية.. رهان جديد
يمثل مشروع تطوير سانت كاترين "التجلي الأعظم" نقلة نوعية في نمط السياحة غير الشاطئية، بتكلفة للمرحلة الأولى تبلغ 4 مليارات جنيه، ويهدف إلى تحويل المنطقة إلى وجهة عالمية تجمع بين الروحانية والبيئة، مع توقعات باستقطاب نحو 2 مليون سائح سنويًا.
طموح 600 مليار جنيه والمدن الخضراء
تمضي جنوب سيناء نحو مستقبل واعد ضمن رؤية مصر 2035، مستهدفة جذب استثمارات تصل إلى 600 مليار جنيه.
وترتكز هذه الرؤية على التحول إلى مركز للطاقة النظيفة، خاصة بعد تحويل شرم الشيخ إلى "مدينة خضراء" عبر محطات طاقة شمسية بقدرة 20 ميجاوات، مع التوسع في الصناعات التكنولوجية القائمة على الرمال الزجاجية، وتحويل مدينة الطور إلى ميناء لوجستي عالمي يخدم حركة التجارة في البحر الأحمر.