بين الاكتشافات وارتفاع الأسعار… أين يذهب النفط؟
رغم الإعلان المتواصل عن الاكتشافات البترولية والغازية الجديدة داخل الدولة خلال الفترة الأخيرة، إلا أن السوق المحلي لا يزال يشهد تحركات تصاعدية في أسعار الوقود والغاز، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول حجم هذه الاكتشافات وأثرها الفعلي على الاقتصاد، وآلية الاستفادة منها على أرض الواقع.
حجم استكشافات البترول والغاز حتى بداية 2026
وفقًا لبيانات وزارة البترول والثروة المعدنية والشركة القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، فقد سجلت مصر خلال الفترة الأخيرة ما يقارب 40 إلى 50 اكتشافًا جديدًا للبترول والغاز حتى بداية عام 2026، نتج عنها حفر نحو 75 بئرًا استكشافيًا وتقييم ما يقارب 70 بئرًا في مناطق مختلفة، مع إضافة احتياطيات تُقدّر بنحو 40 إلى 45 مليون برميل نفط مكافئ، إلى جانب ما يقارب 1.2 إلى 1.3 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
وعلى مستوى الإنتاج، تشير تقارير هيئة البترول إلى دخول بعض الاكتشافات مرحلة الإنتاج الجزئي، بإضافات يومية تقدر بنحو 47 مليون قدم مكعب من الغاز، ونحو 4,000 إلى 4,500 برميل نفط يوميًا، بينما لا يزال الجزء الأكبر من الاكتشافات قيد التطوير الفني وربط الشبكات.
اكتشافات البترول إضافة جديدة للاقتصاد
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، أن الاكتشافات الأخيرة للبترول والغاز تمثل إضافة إيجابية للاقتصاد، لكنها لا تُترجم بشكل مباشر إلى انخفاض في الأسعار أو تحسن فوري في مستوى المعيشة، مشيرًا إلى أن قطاع البترول يعمل وفق دورة إنتاج طويلة ومعقدة، تبدأ من الاكتشاف وتنتهي بالإنتاج التجاري، وهو ما يجعل الأثر الاقتصادي ممتدًا على المدى المتوسط وليس القصير.
وأضاف غراب في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن جزءًا من الإنتاج المحلي يتم توجيهه إلى التصدير بهدف توفير العملة الصعبة، وهو ما يدعم الاقتصاد الكلي للدولة، لكنه يقلل في الوقت نفسه من حجم الانعكاس المباشر على السوق المحلي.
وأوضح أن تسعير الطاقة في مصر يرتبط بعدة عوامل خارجية وداخلية، أبرزها أسعار النفط العالمية، وسعر صرف الدولار، وتكلفة الاستيراد والنقل والتكرير.
وأفاد الخبير الاقتصادي، أن المرحلة الحالية تمثل “مرحلة انتقالية حقيقية في قطاع الطاقة المصري”، حيث تتجه الدولة نحو تعزيز قدراتها الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، لكن الوصول إلى مرحلة استقرار سعري كامل يتطلب زيادة أكبر في الإنتاج الفعلي، وتوسيع قدرات التكرير والبنية التحتية للطاقة خلال السنوات المقبلة.
كتشاف “دنيس W-1” في البحر المتوسط
ومن أبرز الاكتشافات التي أعلنت عنها وزارة البترول والثروة المعدنية خلال الفترة الأخيرة اكتشاف “دنيس W-1” في البحر المتوسط، والذي تشير التقديرات الأولية إلى أنه يحتوي على نحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، إلى جانب حوالي 130 مليون برميل من المتكثفات النفطية، إضافة إلى اكتشافات أخرى في الصحراء الغربية ودلتا النيل ساهمت في دعم الإنتاج المحلي بشكل تدريجي.
وتوضح البيانات الجغرافية الصادرة عن وزارة البترول أن الصحراء الغربية ما زالت تمثل أكبر منطقة إنتاج واكتشافات نفطية، بينما يتصدر البحر المتوسط مشهد اكتشافات الغاز الكبرى، في حين تظل مناطق خليج السويس ودلتا النيل داعمة للإنتاج اليومي بمعدلات أقل.
ورغم هذا التوسع في الاكتشافات، إلا أن أسعار الوقود والغاز ما زالت تتحرك في مسار تصاعدي، وهو ما يرجعه الخبراء إلى الفجوة الزمنية بين الاكتشاف والإنتاج الفعلي، إضافة إلى ارتباط الأسعار بالأسواق العالمية، إلى جانب سياسات إعادة هيكلة دعم الطاقة التي تتبعها الدولة تدريجيًا.
ملف اكتشافات البترول والغاز منظومة اقتصادية شاملة
وفي المقابل، يرى الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن ملف الطاقة في مصر لا يمكن قراءته من زاوية الاكتشافات فقط، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة اقتصادية شاملة تتأثر بعوامل محلية ودولية متعددة.
وأكد أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط مباشرة بزيادة الإنتاج، بل يعود إلى سياسة تسعير تهدف إلى تحقيق التوازن بين التكلفة الفعلية ودعم الموازنة العامة.
وأضاف عبده أن الدولة تسعى خلال المرحلة الحالية إلى تقليل عجز الدعم وإعادة توجيه الموارد نحو قطاعات أكثر أولوية مثل التعليم والصحة، وهو ما ينعكس تدريجيًا على أسعار الطاقة.
وأشار إلى أن التحسن الحقيقي في ملف الطاقة داخل مصر يتطلب وقتًا واستقرارًا في الإنتاج، إلى جانب زيادة كفاءة التكرير والتوزيع، مؤكدًا أن الاكتشافات الحالية تمثل “رصيدًا استراتيجيًا للمستقبل” أكثر من كونها حلًا لحظيًا لأزمة الأسعار.