بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

الاكتشافات البترولية في مصر.. بين أرقام النمو وتحديات الاستدامة

بلدنا اليوم

في وقت تتزايد فيه وتيرة الإعلان عن اكتشافات بترولية وغازية جديدة، يبرز التساؤل الأهم: هل تكفي هذه الاكتشافات لتحقيق الاكتفاء الذاتي ودعم الاقتصاد المصري بشكل مستدام؟

يرى خبراء الاقتصاد ومسؤولو القطاع أن الإجابة ليست بسيطة، بل ترتبط بمجموعة من العوامل المتشابكة، تبدأ بحجم الاكتشافات ولا تنتهي بسرعة تحويلها إلى إنتاج فعلي.

قفزة في الاكتشافات تعزز الاحتياطيات

في هذا السياق، أكد المهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، أن قطاع البترول نجح خلال السنوات الأخيرة في تحقيق نتائج ملموسة على صعيد البحث والاستكشاف، مشيرًا إلى تسجيل ما بين 50 إلى 60 اكتشافًا جديدًا في مناطق الامتياز المختلفة.

وأوضح في تصريحات صحفية لـ"بلدنا اليوم"، أن هذه الاكتشافات أضافت احتياطيات تُقدّر بنحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز، إلى جانب أكثر من 100 مليون برميل من الزيت الخام، وهو ما يعزز من استدامة الإنتاج ويمنح القطاع مرونة في مواجهة التحديات.

وأشار إلى أن أهمية هذه الاكتشافات لا تكمن فقط في حجمها، بل في كونها “اكتشافات متتابعة” تسهم في تعويض التناقص الطبيعي في إنتاج الحقول القديمة.

وأضاف أن متوسط إنتاج مصر من الغاز يتراوح حاليًا بين 5.5 و6 مليارات قدم مكعب يوميًا، مقابل استهلاك يصل إلى نحو 6.5 مليارات قدم مكعب، ما يعني وجود فجوة محدودة يتم التعامل معها عبر الاستيراد أو إعادة توجيه الإمدادات.

كما لفت إلى أن مصر تمضي قدمًا في تنفيذ استراتيجيتها للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة، مستفيدة من بنيتها التحتية وقدراتها في إسالة الغاز، حيث تُقدّر الطاقة التصديرية بنحو 12 مليون طن سنويًا من الغاز المسال.

الاكتفاء الذاتي.. نظرة من زاوية الاستدامة

وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أن ملف الاكتفاء الذاتي لا يجب النظر إليه بشكل “لحظي”، بل من زاوية الاستدامة.

وأشار إلى أن مصر حققت بالفعل الاكتفاء الذاتي من الغاز في عام 2018، لكنها عادت جزئيًا إلى الاستيراد مع زيادة الطلب، لافتًا إلى أن الإنتاج المحلي يغطي حاليًا نحو 85% إلى 90% من الاحتياجات.

وأكد أن نسبة الاكتفاء الذاتي الفعلية تدور بين 75% و80%، ما يعكس استمرار الحاجة إلى الاستيراد، خاصة في ظل تسارع معدلات الاستهلاك المحلي.

الاستثمارات الأجنبية.. ركيزة الاستمرار

وفيما يخص الاستثمارات، يشدد مسؤولو القطاع على أنها تمثل العمود الفقري لاستمرار عمليات الاستكشاف.

وتشير التقديرات إلى نجاح مصر في جذب استثمارات سنوية تتراوح بين 7 و9 مليارات دولار، بمشاركة شركات عالمية كبرى مثل إيني وبي بي وشل، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين في السوق.

الفجوة الزمنية.. لماذا لا تظهر النتائج سريعًا؟

من جانبه، يحذر المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة العامة للبترول الأسبق، من المبالغة في توقع تأثير سريع للاكتشافات الجديدة، موضحًا أن تحويل الاكتشاف إلى إنتاج فعلي يستغرق من 3 إلى 5 سنوات في المتوسط، وقد يمتد إلى 7 سنوات في بعض الحقول البحرية.

وأشار إلى أن هذا العامل الزمني يفرض ضرورة التخطيط المسبق لتأمين احتياجات السوق، وعدم التعويل على الاكتشافات الحديثة كحل فوري.

وأفاد إلى أن مصر تضع خطت مستهدفه في هذا القطاع، من أجل الاعتماد النسبة الأكبر على الواردات والتخفيف من الاستيراد. 

الاستدامة ليست أرقامًا فقط

وقال الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، إن الحديث عن الاكتفاء الذاتي في قطاع البترول يجب أن يتجاوز فكرة “توازن الإنتاج والاستهلاك” إلى مفهوم أوسع يرتبط بكفاءة استخدام الموارد.

وأوضح أن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي، إذا لم تتوازَ مع سياسات ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة الطاقة، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الفجوة الحالية يعود إلى النمو السريع في الطلب، خاصة في قطاعات الكهرباء والصناعة.

وأضاف أن تحقيق الاستدامة يتطلب تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في الطاقة المتجددة، إلى جانب تعظيم القيمة المضافة من الموارد البترولية، بدلًا من تصديرها في صورتها الخام، مؤكدًا أن المعادلة الحقيقية ليست كم ننتج، بل كيف نُدير ما ننتجه.

تعزيز قطاع الطاقة.. خطوات مستمرة وتحديات قائمة

يتفق الخبراء على أن مصر قطعت شوطًا مهمًا في تعزيز قدراتها في قطاع الطاقة، إلا أن الطريق نحو الاكتفاء الذاتي الكامل لا يزال يتطلب مزيدًا من الاستثمارات وتسريع وتيرة الإنتاج.

وبين أرقام الاكتشافات وطموحات التحول إلى مركز إقليمي للطاقة، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الإنتاج المتزايد والاستهلاك المتنامي، بما يضمن استدامة هذا القطاع الحيوي.

تم نسخ الرابط