زيادة أسعار الغاز للمصانع في مصر.. كيف تؤثر على الأسواق والإنتاج الصناعي؟
في ظل التوترات العالمية والارتفاعات المتلاحقة التي تشهدها أسواق الطاقة، أعادت الحكومة ملف تسعير الغاز الطبيعي للمصانع كثيفة الاستهلاك إلى صدارة المشهد الاقتصادي، عقب إصدار قرار بزيادة جديدة في أسعار الغاز الموجه للقطاع الصناعي، بمتوسط يقارب دولارين لكل مليون وحدة حرارية، في خطوة تعكس الضغوط المتزايدة التي تواجهها الدولة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا، إلى جانب تراجع الإنتاج المحلي من الغاز.
وأعلنت الجريدة الرسمية ارتفاع سعر الغاز لمصانع الأسمنت إلى 14 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية، بينما سجل 7.75 دولار لصناعات الحديد والصلب والأسمدة غير النيتروجينية والبتروكيماويات، في حين تراوحت الأسعار لباقي الأنشطة الصناعية بين 6.5 و6.75 دولار.
الطاقة في قلب الصناعة
يمثل الغاز الطبيعي عنصرًا أساسيًا في تشغيل المصانع المصرية، لا سيما في قطاعات الأسمنت والحديد والأسمدة والبتروكيماويات، وهي صناعات تعتمد بصورة مباشرة على الطاقة في عمليات التشغيل والإنتاج.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور فخري الفقي، الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع تكلفة الطاقة عالميًا فرض على كثير من الدول إعادة النظر في سياسات الدعم وتسعير الوقود والطاقة، موضحًا أن مصر ليست بمعزل عن هذه التطورات، خاصة مع ارتفاع تكلفة استيراد الغاز وزيادة الضغوط على الموازنة العامة.
وأضاف الفقي، في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن الدولة تحاول تحقيق توازن بين استمرار دعم الصناعة وعدم تحميل الخزانة العامة أعباء إضافية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن بعض الصناعات قد تضطر إلى تعديل أسعار منتجاتها نتيجة زيادة تكاليف التشغيل.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن تأثير القرار سيظهر تدريجيًا داخل الأسواق، خصوصًا في الصناعات التي تمثل الطاقة فيها نسبة كبيرة من التكلفة الإنتاجية.
هل ترتفع الأسعار؟
وفي سياق متصل، أكد هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع أسعار الغاز للمصانع يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة تكلفة الإنتاج، موضحًا أن الشركات غالبًا ما تنقل جزءًا من هذه الزيادة إلى المستهلك النهائي للحفاظ على هوامش الربح.
وأشار إلى أن قطاعات مواد البناء ستكون من أكثر القطاعات تأثرًا، خاصة الأسمنت والحديد، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على أسعار العقارات والإنشاءات.
كما حذر من أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة قد يزيد من معدلات التضخم، في وقت تعاني فيه الأسواق بالفعل من ارتفاع أسعار النقل والخامات وتكاليف التمويل.
قطاع الأسمدة الأكثر حساسية
ويُعد قطاع الأسمدة من أكثر القطاعات تأثرًا بزيادة أسعار الغاز، لأن الغاز الطبيعي يدخل كمادة خام رئيسية في عملية الإنتاج.
وقال المهندس خالد أبو المكارم إن أي زيادة في أسعار الغاز تنعكس بشكل مباشر على تكلفة إنتاج الأسمدة والمنتجات الكيماوية.
وأوضح أبو المكارم أن المصانع التصديرية تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في ارتفاع تكلفة الإنتاج محليًا، إلى جانب المنافسة القوية في الأسواق الخارجية.
وأضاف أن الصناعة تحتاج إلى سياسات داعمة للحفاظ على تنافسية الصادرات، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
تأثيرات محتملة على الاستثمار والإنتاج
من جانبه، قال المهندس محمد السويدي، رئيس اتحاد الصناعات السابق، إن استقرار أسعار الطاقة يمثل عنصرًا مهمًا لجذب الاستثمارات الصناعية، مشيرًا إلى أن أي زيادات مفاجئة في تكلفة التشغيل قد تدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم خططهم التوسعية.
وأوضح السويدي، في تصريحات صحفية، أن الصناعات الصغيرة والمتوسطة ستكون الأكثر تأثرًا، لأنها أقل قدرة على امتصاص ارتفاع التكاليف مقارنة بالشركات الكبرى.
وتوقع رئيس اتحاد الصناعات السابق أن يدفع القرار بعض المصانع إلى تسريع خطط التحول نحو الطاقة البديلة وتحسين كفاءة التشغيل، بهدف تقليل استهلاك الغاز والطاقة.
لماذا رفعت الحكومة الأسعار الآن؟
جاءت الزيادة الجديدة في ظل موجة ارتفاعات عالمية بأسعار النفط والغاز، نتيجة التوترات الجيوسياسية واضطراب أسواق الطاقة العالمية.
تقليل الضغط على الموازنة العامة
قد نقلت وكالة رويترز عن مصادر حكومية أن القرار يستهدف تقليل الضغط على الموازنة العامة، وتحقيق قدر من التوازن بين الأسعار المحلية والعالمية للطاقة.
كما تواجه مصر تحديات مرتبطة بتراجع إنتاج الغاز الطبيعي خلال الفترة الماضية، بالتزامن مع زيادة الاستهلاك المحلي، خاصة في قطاعي الكهرباء والصناعة.
تراجع الإنتاج المحلي
شهد إنتاج الغاز الطبيعي في مصر تراجعًا ملحوظًا خلال العامين الماضيين، نتيجة انخفاض إنتاج بعض الحقول القديمة وارتفاع معدلات الاستهلاك.
ووفق بيانات حديثة، انخفض متوسط إنتاج مصر من الغاز إلى نحو 3.86 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال فبراير 2026، مقارنة بأكثر من 4.2 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال الفترة نفسها من العام السابق.
كما تراجع إنتاج الغاز خلال أول 11 شهرًا من عام 2025 إلى نحو 38.8 مليار متر مكعب، بانخفاض سنوي يقترب من 14.7%.
ويُعد حقل ظهر أحد أهم الحقول المنتجة للغاز في مصر، إلا أن تراجع معدلات إنتاجه الطبيعية أثّر على حجم الإنتاج المحلي خلال الفترة الأخيرة.
بين حماية الاقتصاد ودعم المواطن
يرى مراقبون أن الحكومة تواجه تحديًا صعبًا بين ضرورة تقليل أعباء دعم الطاقة، والحفاظ على تنافسية الصناعة المحلية، وعدم زيادة الضغوط على المواطنين.
وفي الوقت نفسه، تراهن الدولة على الاكتشافات الجديدة وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز كحل طويل الأجل يساعد على استقرار سوق الطاقة وتقليل الضغوط على الصناعة والأسواق.
لكن على المدى القصير، تبقى احتمالات ارتفاع أسعار عدد من المنتجات قائمة، في ظل استمرار الضغوط العالمية على أسواق الطاقة والإنتاج، وهو ما يضع الأسواق المحلية أمام مرحلة جديدة من التحديات المرتبطة بتكاليف التشغيل وأسعار السلع.