رحلة أنور وجدي.. عاش مطرود وتمنى الفقر مقابل "ساندوتش فول"ومات في تابوت
ربما في إحدى الليالي كان يجلس أنور وجدي فوق سريره بغرفته القابعة في أحد أدوار عمارة الإيموبيليا الشهيرة يضع يده فوق جبينه وهو يراقب بقلق درجات الحرارة التي تنخفض وترتفع غير مستقرة تنذر بـ"سخونية"شديدة قد تجعله طريح الفراش لأيام.
كان "وجدي" عدوه هو المرض حتى ولو "إنفلونزا" عادية، لا يعرف الراحة، هو كتلة فنية تمشي على قدمين، عاش عمره كله في سباق دائم مع الوقت، لا يعرف السكون ولا يحتمل فكرة العجز أو التوقف.

جمع الثروة والشهرة وباتت الوحدة أكثر ما يؤرق حياته خاصة في سنواته الأخيرة، انتهت قصته ليلى مراد، الحب الذي قضت عليه الغيرة الفنية وحسابات الإنتاج والفلوس.
سنوات وهو يجري في الحياة التي طالما أذاقته مرارة الجوع والفقر وهو في بداية شبابه وعندما كون ثروته حرمته من الأبوة والاستقرار وكتبت عليه الوحدة، ومن المفارقات الغريبة إنه ظهر باسم "وحيد" في معظم أفلامه ليعيش به في الحقيقة وعلى الشاشة.
البدايات.. من الطرد للرغيف الحاف
في 11 أكتوبر 1901 ولد "أنور" بين أحضان عائلة سورية عملت في تجارة الأقمشة وتعرضت للإفلاس وانتقل معها إلي القاهرة واستقرت في حي الظاهر، ودرس في مدرسة الفرير الفرنسية وتركها حباً في الفن، حتى طرده والده "يحيى الفتال" من منزله وجد نفسه يقف وحيداً في شارع عماد الدين.

لم يكن مشوار أنور وجدي مفروشاً بالورود ولكنه عاش سنوات من الفقر و "قرصه" الجوع قبل أن يصبح أحد أهم نجوم السينما المصرية، بعد أن طرده والده وجده ملاذه في شارع عماد الدين لا يملك سوى بعض النقود القليلة التي بالكاد تكفي لشراء رغيف "حاف" كان يأكله على رائحة دخان محل "الكبابجي" وهو يتخيل نفسه أنه يأكل بـ"الكباب".
يقف بالساعات أمام مسرح رمسيس على أمل مقابلة يوسف وهبي والانضمام إلى فرقته المسرحية، وفي إحدى المرات وقف الحظ بجانبه ودخل الفرقة بمساعدة الريجسير قاسم وجدي، الذي رد له الجميل بأن استعار اسمه الثاني ليصبح منذ ذلك الوقت “أنور وجدي”.
بدأ مشواره داخل الفرقة بتسليم الأوردرات للفنانين ولكنه عينه كانت لا ترى سوى خشبة المسرح وكأنه لا يجب أن يمتهن سوى التمثيل، وذات مرة أحد العرافين أن مستقبله في التجارة وكاد أن يصدق نبؤته قبل أن يتلقف موهبته يوسف وهبي ويمنحه فرصة التمثيل من أدوار صامتة ثم أدوار صغيرة على المسرح، إلى أن حصل على فرصة حقيقية في مسرحية “يوليوس قيصر”، وكانت تلك اللحظة نقطة التحول الأولى في حياته الفنية.
السينما تصنع “فتى الشاشة الأول”
بداية فترة الثلاثينيات انتقل أنور وجدي إلى السينما، وشارك في عدد من الأفلام الصامتة والناطقة، قبل أن يلفت الأنظار بخفة ظله وحضوره المختلف على الشاشة، حتى أنه في 1939 شارك في 5 أفلام دفعة واحدة أشهرها "بائعة التفاح والعزيمة".
وفي الأربعينيات أصبح من أبرز الوجوه السينمائية التي يعتمد عليها المخرجين في تقديم شخصية الشاب الأرستقراطي المستهتر وقدمها في أكثر من فيلم أشهرها" انتصار الشباب"
ونال أول بطولة مطلقة في فيلم "كدب في كدب" وتقاسمت صورته أفيش الفيلم مع "ببا عز الدين"، ومع منتصف الأربعينيات أسس شركة "الأفلام المتحدة" وكانت باكورة أفلامها "ليلى بنت الفقراء" مع ليلى مراد ومن تأليفه وإخراجه، وخلال تصوير الفيلم نشأة بينهما قصة الحب واستغل المشهد الأخير في الفيلم وهي ترتدي فستان الزفاف وتزوجها في الحقيقة.

توالت أفلامه خاصة التي جمعته بـ ليلى مراد أبرزها ”ليلى بنت الأغنياء، عنبر، بنت الأكابر، حبيب الروح، غزل البنات”، وهي الأفلام التي جعلت منه أيقونة عصره إذ عمل مؤلف ومخرج ومنتج بجانب عمله كممثل.
"الفلوس مش هي الدنيا" يا أنور
نجح "وجدي" في تكوين ثروة كبيرة بعد سنوات طويلة من الشقاء وكأنه في سباق مع الحياة حتى بات الأعلى أجراً وكان يحصل على 35 جنيهاً في الدقيقة بعد أن بدأ أجره في فرقة يوسف وهبي بـ12 مليماً، لكنه اكتشف مع مرور العمر أن الفلوس التي كان يقول عنها "الفلوس هي الدنيا" لا تكفي لصناعة السعادة.
بعد انفصاله عن ليلى مراد عاش في شقته بعمارة الإيموبيليا وبدأ يشعر بحنين قديم تجاه ليلى فوزي التي أحبها قبل أن يتقابل مع ليلى مراد ورفضه والدها وزوجها من عزيز عثمان ثم انفصلت عنه، وبات يخبر "أنور" المقربين منه أنه لم يعد يبحث عن المال بقدر بحثه عن فرصة للحياة نفسها.

غني يتمنى ساندوتش فول
ورغم اعتراض أسرته على زواجه من ليلى فوزي أصر على إتمام الزيجة وسافر معها إلى باريس، وعاش معها عدة شهور بـ قلب يحمل الحب و "كلى" تحمل المرض وخضع إلي "ريجيم قاسي" حرمه من متعته الأولى في الحياة وهي الأكل إذ كان يأكل بشراهة وكأن الأكل سوف يختفى من أمامه.
كان يشاهد العمال يفترشون أرضية الاستديو يتقاسمون سندوتشات الطعمية والفول ويبكي، يتمنى أن يصبح أكثرهم فقراً ويأكل معهم دون آلام أو "ريجيم" بأمر الطبيب.
عندما قال "هعيش وخدوا كل فلوسي"
بدأت حالته الصحية تتدهور وسافر إلى باريس للعلاج، قبل أن يعود إلى مصر بين فترات تحسن قصيرة وانتكاسات طويلة، وداخل مستشفى دار الفؤاد أخبر الأطباء ليلى فوزي ووالدة أنور أنه لن يعيش سوى بضع ساعات حتى أنهم ذهبوا لتجهيز "قبره" لاستقباله.

وفي اللحظات التي فقد فيها الأطباء الأمل تلقى أنور وجدي خطاب من أطباء في ستوكهولم قرأه محمود شافعي مدير أعماله وزوج إحدى شقيقاته يبشره بإمكانية علاجه، وقتها قفز "أنور" من فوق سريره وهو يردد بأعلى صوته "هعيش.. ياخدوا نص فلوسي بس أعيش".
المشهد الأخير.. من السويد للقاهرة في تابوت
سافر إلى السويد برفقة ليلى فوزي وطبيبه الخاص للبحث عن فرصة أخيرة للنجاة، لكن بعد أيام كتبت الحياة المشهد الأخير في حياة أنور وجدي ولكنه مشهد حزين لم يعتاد هو على تجسيده في أفلامه.
وفي 14 مايو 1955 رحل أنور وجدي عن عمر 51 عاماً، ورجع في"تابوت" مع ليلى فوزي، وكأنه ترك الموت في القاهرة فوجده في انتظاره بـ السويد، واسدل الستار على رحلة الاستثنائي وأيقونة عصره الذي بدأ حياته فقير وعاش نصفها وحيد بينما ظل على شاشة السينما المصرية "الفتى الأول" والأكثر فناً وصاحب موهبة تناطح الهرم الأكبر.